سعادته يتفقَّد شارعاً خلفيا !
ذلك غيضٌ من فيضِ تلك الصفات. وكل ذلك بديع وأنيق، ولا يختلف في أناقته اثنان. لكن بعض التنظير أقرب إلى الحلم، أو إلى روح الشعر. والشعر حالة، وليس مهنة، كما أن النجاح يقاس بالنتائج وحدها. ولعل جولة في شارع خلفي منسيّ بمحافظة، أو مركز، أو قرية، أو هجرة نائية، أجدى وأنفع و.. «أصدق إِنباءً من الكتب».
لتأكيد ذلك النجاح، يحتاج هذا النموذج من المدراء كي يباهي بإنجازاته الخطيرة، إلى إدارة علاقات عامة قديرة، تتحدث عن إنجازات لم تنجز، وتصور زيارات تفقدية لا تتفقد شيئا، وتجيد اختراع الأعذار والعلل، وتنفي أي شكل من أشكال الخلل، ولكي يطمئن سعادته وينام، ينبغي أن ينشئ وحدةَ متابعة، ترسل له بانتظام، تقريرا عنوانه «كل شيء على ما يرام»! ما تقوله كتب الإدارة صحيح، لكنَّ للواقع منطقاً آخر، وللنجاح عند بعض المدراء مقوّمات وشروط مختلفة عما يقوله مُنظِّرو الإدارة. وأول شروط المدير الناجح (بالعافية.. لا بالفعل) إرضاء الرئيس الأعلى. وإذا ضمن رضا الرئيس، فلا فرق عنده بين السبت والخميس. هذا شكل من أشكال الحصانة. بل هو خط الدفاع الأول، أما خط الدفاع الثاني فهو البحث عن مدير مكتب يجيد فنون (الحجابة)، وأساليب فرض الأبّهة والمهابة. ولمن أراد مزيدا من القلاع الإدارية الحصينة، فعليه أن يُعيّنَ (مدير مكتب) لمدير المكتب، ليكونَ الوصول إليه أصعب. قديما، كان المدراء يضعون (لمبات) حمراء على أبواب مكاتبهم. فإذا أضيئت (اللمبة) الحمراء فمعنى هذا أن سعادته مشغول، وأن انشغاله سوف يطول. ومن قبيل الدعابة، اقترحت على أحد الأصدقاء المدراء، وكان يضع على باب مكتبه (لمبة) حمراء، أن يوفر مولّدَ كهرباءٍ خاصاً بـ (اللمبة) في حال انقطاع التيار الكهربائي العام. الآن يمكننا أن نقول لمدير مكتب المدير: «نورك كفاية»! بعد أن حلَّ محلَّ (اللمبة) الحمراء. هذا عن ضمان راحة البال، والتخلص من إلحاح أصحاب الحاجات، و.. صاحب الحاجة لجوج، ودمه ثقيل ممجوج. ولتأكيد ذلك النجاح، يحتاج هذا النموذج من المدراء كي يباهي بإنجازاته الخطيرة، إلى إدارة علاقات عامة قديرة، تتحدث عن إنجازات لم تنجز، وتصور زيارات تفقدية لا تتفقد شيئا، وتجيد اختراع الأعذار والعلل، وتنفي أي شكل من أشكال الخلل، ولكي يطمئن سعادته وينام، ينبغي أن ينشئ وحدةَ متابعة، ترسل له بانتظام، تقريرا عنوانه «كل شيء على ما يرام»! الآن، وبعد استعراض تلك الصورة الكوميدية للمدير الناجح (بالعافية.. لا بالفعل)، أقول وبشكل جاد: لا يحتاج سعادته ليكون مديرا ناجحا إلى الإلمام بذلك الجانب النظري وحده. عليه، بالإضافة إلى المعرفة النظرية، أن يطلع على ما لم تفصح عنه التقارير، فيقلص عدد الاجتماعات اليومية، ويترك التقارير الوردية على الرفوف الأبنوسية، ثم يخرج إلى الشوارع الخلفية. نعم، عليه أن يغادر المكتب الواسع الأنيق، ويذوب في زحام الطريق، فيتسكع على الأرصفة المتهالكة، ويجوب الحارات المتربة، والأزقة الضيقة، ويزور البسطات والدكاكين واستراحات الطرق، ويجرب الزحام الخانق، ويقف مع الواقفين في طوابير الانتظار. ويصغي إلى أقوال الموظفين الصغار؛ أولئك المنسيين في القرى والأرياف والهجر. سوف تحقق هذه الجولات فائدتين أو أكثر: أما الفائدة الأولى فهي معرفة الواقع على حقيقته، وأما الثانية فتتعلق بصحة ورشاقة سعادته. فبعد تلك الجولات والصولات، سوف يفقد بعض الكيلوات، ناهيك عن فوائد التعرض لأشعة الشمس، ومن تلك الفوائد تقوية العظام، وتخفيف أعراض الاكتئاب!