د. فالح العجمي

هل نظرت إلي أم أنا الذي نظرت إليها

آه ما أحلى الأيام معها .. وما أصعب الأوقات التي أصبحت أقضي بعضها بدونها! هل كانت تنظر إلي وأنا جالس على الأرض أتأمل فيها، أم أنا الذي كنت أطوف النظر في زواياها مبتهجاً ومشتاقاً إليها؟

هل كان نوعاً من العشق؟ أم إنه علاقة متبادلة بين طرفين يكنّ كل منهما الاحترام للآخر؟ لا أدري، لكن رعشة اعترتني وأنا أستعيد الذكريات الحلوة التي قضتها في أحضاني، وتاريخ كل جلسة تسامرنا فيها .. أقلب النظر، وأسرح بعيداً، وأبني قصوراً وربما مدناً في الهواء. أخيراً جاءت لحظة الاعتراف .. اعترف أيها الجاحد، بأن أفضالها عليك كثيرة، ليس لأنها مصدر متعتك وجوهر حياتك والمالكة لوقتك وعقلك؛ بل لأن تاريخك كله مرتبط بها، ووعيك العلمي والثقافي قائم عليها، وكذلك قرار صداقاتك ورحلاتك ووقت فراغك منبعث مما توحي به إليك.

هل عشق التجار أوراق النقود كما عشقنا أوراق الكتب؟ ولئن كانت أوراقنا من شجر وأوراقهم من نباتات وقطن، فإن استمتاع التجار برائحة أوراق البنكنوت الجديدة، كما حكى لي أحدهم، تشبه استمتاعنا برائحة أوراق الكتب عندما تكون جديدة، أو في الكتب التي تحتوي صوراً ملونة، وتفتح لأول مرة. يالسلطانها عليك! لكنها ليست مفردة .. إنها جماعة، وهي تفوق تلك الرعشة مراراً في قوتها، لأن التكهرب من المساس بها نشأت عنه رعشات ورعشات .. تأوهات وصدمات، وكلها كانت في ميزان الوعي أكبر من الوعي نفسه، وهي الآن في اللاوعي مصدر اعتزاز. هو حب من نوع مختلف .. هل هو من طرف واحد؟ لا أدري، لكن رائحة الورق مع كل واحد منها توحي لي بأن هناك علاقة من نوع مختلف لها معي، وكأنها تشعر بما أحس به تجاهها. تذكرت وأنا أوصي أحد من أعرته منها كتاباً أنه وقف مشدوهاً، وقال: هل هذه التوصيات بأن لا أفتح الكتاب كاملاً، دون أن أمسكه لئلا يتفكك غراؤه خاصة بي، أم إنك تفعل الشيء نفسه، وتطلب من كل من يستعير منك كتاباً أن يفعل الشيء نفسه؟ كما تذكرت ردود فعل الطالبات عندما توسعت في طريقة استخراج المعلومات من الكتاب، وعدم الإضرار به، أو التخطيط على هوامشه أو تحت سطوره، حتى لو كان الكتاب ملكاً للطالبة، وإذا كان ذلك ضرورياً ففي أدنى حد ممكن وبالقلم الرصاص، لئلا يشوه المرء كتابه. عجيب ذلك العشق .. هل عشق التجار أوراق النقود كما عشقنا أوراق الكتب؟ ولئن كانت أوراقنا من شجر وأوراقهم من نباتات وقطن، فإن استمتاع التجار برائحة أوراق البنكنوت الجديدة، كما حكى لي أحدهم، تشبه استمتاعنا برائحة أوراق الكتب عندما تكون جديدة، أو في الكتب التي تحتوي صوراً ملونة، وتفتح لأول مرة. وما هو أشد من هذا كله هو عشق الذكريات معها .. ففي تلك الجلسة التي طالت وأنا قابع؛ أتذكر متى كنت مع ذلك الكتاب، وكيف كانت أوضاعي عندما قرأته لأول مرة، ومن أين اشتريته، ومتى عدت إلى معلومات فيه، ومن ناقشت في أفكاره؟ سيل لا ينتهي من الأسئلة، ورعشات لا تنتهي من الأفكار الجميلة، والذكريات الحلوة .. ذلك بدأت بقراءته، وأنا في قطار يمخض بي عباب رحلة طويلة، والآخر كنت قد أسندته إلى طاولة المقعد في الطائرة بعد أن استوت على الجودي، وبعد أن انتهى وقت تقليب المجلات في بدء الرحلة ومع وجبات الطعام. والثالث كنت أقرأه بلهفة وفضول وأنا تحت غطاء سميك في برد قارس لم يشهد جسمي له مثيلاً في نهاية تسعينات القرن العشرين. والرابع أهداه لي صديق كنت قد ناقشته في تشابه وضعنا مع وضع الغرب في القرن الثامن عشر، فقال: فوالله لكأنك تتحدث عما كتبه سبينوزا في كتابه: «رسالة في اللاهوت والسياسة». فإذا بالكتاب يصل إلى غرفتي في ذلك الفندق المهادن للطبيعة والموافق لنزعات سبينوزا في رفض تعسف الطبيعة. أما تلك الموسوعة فقد اشتغلت عليها ردحاً من الزمن، وتلاقحت فيها المعلومات مع آيات الاستغراب أن تكون أصوات الأقدام على الأرض أقوى أثراً من صدى الابتكارات المؤذنة بعالم جديد وواقع متغير. فما أشد صدماتها، وأحر زفراتها؛ لكن الوله لا يشعر بحرارة النفَس ولا بضيق التنفس. هو صدقاً خليط من عذابات وشهقات حلوة .. لكن رحيق الحلاوة يذوب من حرارة الأنفاس قبل أن يستطاب، وألم العذاب يتمنى المرء تكراره رغبة في لذة المعاناة، كما يفعل من يتجشم رحلة صحراوية يكاد يهلك فيها، ثم ما أن يستريح أياما، ويغب تعبه حتى يغالبه الشوق لتكرارها .. آه منك يا زمن !