حسن السبع

«صِفْر» في مادة التـاريخ!

«الصمتُ في حرمِ الجمالِ جمالُ»! هذا ما يقوله الشاعر نزار قباني. وسواء اتفقت أم اختلفت معه، فإنه لا ينبغي فصل تلك العبارة عن سياقها الخاص، لأنها جميلة ضمن ذلك السياق. لكني، في المقابل، ميَّال إلى قول الشاعر الياباني: «لا تكن صامتًا وبلا قيمة حين تكون قريبًا من الورود». ولست، هنا، بصدد كتابة موضوع أدبي، لكن وراء هذه المقدّمة عن الجمال، وعن الصمت في حَرَمِ الجمال، قصة قصيرة للصديق الأستاذ سمير الفيل، عنوانها «ورقة أسئلة». والكتابة الجميلة توحي بالكتابة، وتحضّ عليها. وهي نقيض للصمت.

تدور القصة حول «ورقة أسئلة» في مادة التاريخ. ففي قاعة الامتحان، وبدلًا من الإجابة عن الأسئلة كما يفعل أي طالب واقع تحت تأثير التلقين والتكرار والاجترار، ولا يحسن إلا الحفظ، يجد بطل القصة «المختلف» نفسه وجهًا لوجه مع بعض شخصيات التاريخ المصري الحديث: أحمد عرابي، والخديوي توفيق، وسعد زغلول، وعبدالناصر. «اندفع الملاحظ من مكانه وحذّرني من الضجة التي اصطنعها. أخبرته أن الزعماء يتسللون من ورقة الأسئلة إلى حرم اللجنة». يعتقد ذلك الطالب الحالم أن إجاباته كانت نموذجية ومدعَّمة بالأدلة.. لكن الملاحظ الأصلع يسأله متحسرًا: «كراستك خالية، لماذا لم تُجب عن الأسئلة يا ولدي؟ ستضيِّع مستقبلك!» لن أناقش دلالات تلك القصة، مع أنها ثرية بالدلالات والإيحاءات، بل سأكتفي بما ولَّدته من تداعيات لا علاقة لها بالقصة بل بالتاريخ. 

التاريخ حافل بالإنجازات الحضارية الخلاقة، لكنه، في مقابل ذلك، سجلٌّ لكثير من الحماقات والجرائم والمآسي. وهو غالبًا ما يُعيد نفسه للبلهاء وفاقدي الذاكرة. ولذلك فإن التاريخ، وِفْقًا لأحد التعريفات الظريفة هو «الحصيلة الإجمالية لأشياء كان من الممكن تفاديها».قلت للأستاذ سمير الفيل تعليقًا على قصته: «ذكَّرتني قصتك تلك بقصيدة للشاعر الفرنسي جاك بريفير عن تلميذٍ مشاغب يحصل على (صِفْرٍ) في مادة التاريخ حين لا يجيب عن سؤال المدرس، ويُطرد من المدرسة حين يجيب عن السؤال نفسه.. ويا لها من مفارقة»! التاريخ حافل بالإنجازات الحضارية الخلاقة، لكنه، في مقابل ذلك، سجلٌّ لكثير من الحماقات والجرائم والمآسي. وهو غالبًا ما يُعيد نفسه للبلهاء وفاقدي الذاكرة. ولذلك فإن التاريخ، وِفْقًا لأحد التعريفات الظريفة هو «الحصيلة الإجمالية لأشياء كان من الممكن تفاديها».  وما أكثر الأشياء التي يمكننا أن نتفاداها حاضرًا،  لو تأمّلنا الماضي بطريقةٍ واعية، سواء كان ذلك الماضي ماضينا، أم  ماضي المجتمعات الأخرى. أستعيد عبارة ملاحظ لجنة الامتحان الموجّهة لذلك الطالب الحالم، بعد أن قدّم كراسة الإجابة بيضاء «كراستك خالية.. لماذا لم تُجب عن الأسئلة يا ولدي؟ ستضيِّع مستقبلك!» والملاحظة عن «ضياع المستقبل» تصحّ، أيضًا، على أولئك الذين لم يستفيدوا من دروس التاريخ؛ فوهبوا أنفسهم للصراع والفوضى، ظنًا منهم أن الاقتتال هو بوابة الدخول إلى المستقبل. لكن، أي مستقبل لصراع يؤدي إلى تدمير الذات، واستنزاف الطاقات والقدرات، وهدر الثروات، وتعطيل حركة الحياة. وأي مستقبل لصراع كل الأطراف فيه خاسرة!. تستطيع «بيادق» العنف والتناحر أن تصنع تاريخًا، لكنه أشبه بتاريخ الكوارث والجرائم. وهنا أستدعي عبارة للكاتب أوسكار وايلد تقول: «يستطيع أي «أبله» أن يصنع تاريخًا، لكن لا بد من «عبقري» ليكتب ذلك التاريخ»! أي ليكون شاهدًا على تلك الحماقة، وليستخلص منها الدروس. التاريخ الحقيقي، إذن، هو تاريخ الأفكار، وهو رصدٌ للخطوات التي خَطَتْهَا الإنسانية من الهمجية إلى التمدن، أي أنه تاريخ الفكر المناهض للثبات والسكون، الصاعد نحو الإبداع والابتكار، والهادف إلى التغيير والتطوير، والمتجه، دائمًا، نحو المستقبل.