مركز الحوار والارتماء في الأحضان
في اتجاه واحد وليس الاستقبال كذلك، وما زلت أذكر أن هناك من صنع خبراً تبعه جدل من مجرد التقاط صورة لشيخين من مذهبين مختلفين! هناك من يظن أن الحديث عن حوار هو حديث عن الغاء أو تجاوز أو حتى تنازل. لقد ثبت ـ بما لا يدع مجالاً للشك ـ أن الجدل استمر قرونا ـ ولا أقول عقودا ـ من الزمن وقد يستمر قروناً، لكن في نهاية المطاف لا خيار سوى الحوار في أي تعامل انساني يشمل أكثر من شخص، فأنت عندما توقع اتفاقا مع شريك فالاتفاقية نتيجة لمفاوضات أي لحوار، وعندما تقرر الدول بعد ان تخوض الحروب الطاحنة أن توقع اتفاقية للسلام فيما بينها فذلك يأتي تتويجاً لجولات من الحوار، وحتى عندما يتنافس المزارعون في المياه الشحيحة ويتقاتلون لكنهم بعد ذلك ليس لهم بدّ من أن يتحاوروا ليصلوا لاتفاق لاقتسام الماء، عليه، فالحوار ليس صيغة لأن يرتمي كل طرف في حضن الطرف الآخر، بل آلية للوصول لصيغ للتعايش أي لاطفاء فتيل الاقتتال والتباغض والتلاسن واستبدال ذلك باتفاق يقنن الاختلاف. وهكذا.. فالحوار قيمة انسانية راقية يقنن من خلالها العقلاء خلافاتهم ويتوجون عقبها اتفاقهم. وعلى النقيض، فالحنق والغضب و "الصرعة" تفاقم الخلافات وتؤججها، وفي أمتنا الإسلامية جروح وقروح بقيت مفتوحة قرونا طويلة يغذيها الجدل وضياع الاحترام المتبادل وفقدان حلقة منهجية لإدارة أزمة التباعد والتباغض، وقد تأخرنا ـ كأمة ـ كثيراً للتعامل مع فرقتنا تعاملاً عاقلاً يقوم على تقنين الاختلاف بما يمكن الأمة من الانشغال بما ينفع ويمكنها من المساهمة مساهمة جادة في التنمية والنمو وعمارة الأرض، لذا، لعل مركز الحوار الذي اقترحه خادم الحرمين الشريفين على القمة الإسلامية الاستثنائية يمثل الحلقة المفقودة لقرون لإدارة أزمة التباعد والتباغض والتلاعن، وستبقى جهود المركز محدودة إن لم تصرّ حكومات الدول الإسلامية على منع وتجريم الأساليب المجهضة للحوار، وإلا سنكون أمام جامعة تنظيرية للحوار تنظم المؤتمرات وتصدر الوثائق والبحوث، لتبقى الحلقة مفقودة ويبقى الحال على ما هو عليه.