من أنت؟!.. أيّ تعليمٍ تلقـوه؟
لكن ما ليس مقبولًا، أن ينتقل المرء من الموضوع إلى الأشخاص الذين يناقشون قضية أو يتحاورون فيما بينهم، ليشكّك في أهليتهم لنقاش ذلك الموضوع، خاصة إذا كان لا يعرفهم على الإطلاق. وحينما أرى مثل هذه المشاركات ـ تحمل في الغالب تواقيع أناس من هذه البلاد ـ لا أستغرب كثيرًا حدوث ذلك الأمر. فالتعليم لدينا لا يركّز على تربية النشء على احترام الآخر، حتى لو اختلف معه في الرأي والمبادئ، بوصفه شرطًا لاحترام الآخر له. ومهما تنوعت وسائل تطوير المناهج التي تتحدث عنها وزارة التربية والتعليم، إلا أن هذا الجانب يبقى عصيًّا على التغيير.
كتب لي أحدهم تعليقًا: مَن أنت حتى...؟ عجيب هذا المخلوق الذي لا أعرفه ولا يعرفني ـ فيما يبدو ـ ويدخل معلقًا على شيء كتبته بهذا السؤال الإنكاري! رددتُ عليه، بأنني أعرف دكتاتورًا قال لشعبه ذات مرة: مَن أنتم؟ ثم نقلت وكالات الأنباء بعد مقولته بأشهر من هم أولئك النكرات برأيه، الذين كان يسخر منهم، وماذا فعلوا به. غضب من الرد، وهو أول مَن حوّل الموضوع أساسًا إلى النواحي الشخصية.
فالرأي تكون قيمته حسب مَن قاله، وليس حسب مضمونه؛ والفكرة نفسها يمكن أن يقولها المدرس، فتكون جيدة ومقبولة، ولكن إن قالها تلميذ ضعيف، فهي من لغط الكلام، وعليه أن يسكت حتى يصبح كبيرًا. وهو فعلًا يسكت، ولكن ليس إلى حتى...، بل يصبح إمعة، لأن ذلك هو ما تربى عليه. أيها الناس توبوا عن إعطاء الأفكار دلالاتها حسب هويات مَن يقولها.. أيها المربون اتركوا عنكم هذا الحيف بحق براعم ائتمنتم على تطوير قدراتهم الذهنية، وزيادة رصيدهم من خبرات الحياة. أيها الوزارة الموكل إليها أمر بناء عقول، وليس تحفيظ معلومات، تعلّموا أن الأهداف التربوية ليست تلك الجمل التي تبدأ «بأن»، بل هي عملية مصيرية، وأظنكم على وشك خسارتها، لأن منافسين أكثر منكم دهاءً قد سبقوكم إلى عقول صغاركم! كتب لي أحدهم تعليقًا: مَن أنت حتى...؟ عجيب هذا المخلوق الذي لا أعرفه ولا يعرفني ـ فيما يبدو ـ ويدخل معلقًا على شيء كتبته بهذا السؤال الإنكاري! رددت عليه، بأنني أعرف دكتاتورًا قال لشعبه ذات مرة: مَن أنتم؟ ثم نقلت وكالات الأنباء بعد مقولته بأشهر من هم أولئك النكرات برأيه، الذين كان يسخر منهم، وماذا فعلوا به. غضب من الرد، وهو أول مَن حوّل الموضوع أساسًا إلى النواحي الشخصية. أردت أن أقول له: لو كنت متأدبًا، وتعرف أدب الحوار، لرأيت أني قبلت من خالفني كليًا في رأيه، لكن بأدب، ورددت على بعضهم، طالما كان الحوار يتعلق بالموضوع، لكني تيقّنت من أنه من ضحايا تعليمنا الرديء، فأحجمت عن الاسترسال في منطقة الموضوع. أذكر أني قلت مرة للطلاب في محاضرة: ما رأيكم الآن في هذا الموضوع، فقال أحدهم: نقول رأينا يا دكتور؟ وكان مستغربًا أن يطلب أحد رأيه. وقفت لحظة عن الكلام، ثم أكملت: نعم، قولوا رأيكم! ومن فرط عدم تعوّدهم على ذلك؛ كتب لي أحدهم مرة في إجابته بعد كل مقولة ينقلها عن أحد، أو معلومة عامة: ورأيي كذا، مرة يوافق على ما كتب في الموضوع، ومرة يعارض. فقد اعتقد أن الرأي الخاص مطلوب في كل معلومة. وقد رحمت النموذجين؛ فأحدهما كان محرومًا من إبداء رأيه، ربما في المنزل وفي المدرسة، والآخر لا يعرف ما معنى رأي، فوضع للرأي بندًا في كل فقرة، حتى أصبحت إجابته مضحكة. لا علينا من هذه النماذج، التي أوردها فقط لإيضاح مدى الجرم الذي نصنعه بعقول الناشئة في التعليم العام، وربما في حالات ليست قليلة في التعليم الجامعي. المهم الآن كيف نتصرف مع هذه الأجيال التي ينشأ التناقض الفكري عندها، لأنها لا تدرك معنى الرأي. وفي بعض الأحيان تخلط بين التعدي وإبداء الرأي، كما نشاهد في كثير من المشاركات التي تجري على الفضائيات العربية بعد انتشارها. المهم أن نتدارك الأمر في مئات الآلاف من البراعم الذين يجلسون هذه السنوات على مقاعد التعليم العام، ونهيئ لهم توعية بهذه الفروق بين الرأي والتعدّي، وتعريفًا بالحقوق والواجبات، قبل أن تنجح الوسائل الأخرى في التقاطهم، فيصبحوا عبئًا على التنمية، وليسوا بناة لها. وربما تستطيع تلك البرامج أن تنقذ شيئًا.. فهل نغيّر الموجة؟ أم بنا صمم؟