حسن السبع

جرعةُ رومانسية زائدة !

كمن يلعب في الوقت الضائع، اضاعف جرعات الرومانسية، لتغدو أكثر مما كانت عليه في المقالين السابقين، فأتحدث عن الحب في وقت أصبح فيه كل شيء برسم البيع، وانتشرت فيه حرائق العنف وخرائب الفوضى، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الاقتتال.. ناهيك عما يعانيه العالم من أزمات أو انهيارات أخلاقية. غير أن الحب المقصود، هنا، يختلف عن ذلك الذي غرق فيه  عمر ابن أبي ربيعة، أو جميل بثينة، أو الحب الذي تناوله ابن حزم في كتابه (طوق الحمامة في الألفة والألاَّف). الحب الذي «أوله هزلٌ وآخره جِدّ»، كما يقول، أو ذلك الذي يعرّفه الوجوديون بأنه «محاولة متبادلة في السيطرة»، أي الحب الساعي إلى تملّك الآخر، وإفقاده حريته. وليس هو الحب الذي  يعرّفه أحد الظرفاء متهكما بقوله: «شابٌّ يطارد فتاةً حتى تمسكَ به ولا تتركه»! و.. «يداه أوكأتا وفوه نفخ». و.. إلى آخر الأمثال التي تحمّل الشابَّ تبعات قراره. لكني أتحدث، هنا، عن الحب بمفهومه الانساني الشامل؛ أي عن ذلك الشعور الذي يصلنا بالعالم، ويحقق السلام على وجه الأرض، ويحول بيننا وبين الانحدار إلى الهاوية.نعم. لابد أن تزال تلك الغشاوة لتتسع مداركنا فنفهم، ولا بد أن نفهم لكي نحب، ولا بد أن نحب لنروّضَ الوحش الكامن في نفوسنا، ولنتجاوز ظلامنا. فأسوأ السجون، كما يقال، قلب مغلق.فإذا كان فتيل الحب الذي تحدَّث عنه ابن حزم سريعَ الاشتعال: «نظرةٌ فابتسامةٌ فسلام...»، فإن الحب بمفهومه الشامل يحتاج إلى تربية وثقافة، وإلى تركيبة نفسية نقية، وقلب «بشري شغوف» مفتوح على العالم، بكل ما فيه من تنوع واختلاف. ذلك هو «الحب الذي يحرّك العالم» كما يعبر تيار دي شاردان الذي يقول: «لا يمكننا أن نكون سعداء بشكل أساسي حاسم إلا في اتحادٍ شخصيٍّ بشيءٍ ما شخصيٍّ في الكل. مع شخصية الكل: هذا هو النداء الأسمى لما يسمى الحب»!  لكن ذلك «الاتحاد بالكل» لا يتحقق دون إعادة النظر في مضامين العملية التربوية وأساليبها، لتكون قادرة على صناعة وعي جديد يحمي العقول، قبل القلوب، من التصحر والجفاف، ويمنحنا القدرة على احتضان العالم،  فلا يستطيع تحقيق «الاتحاد بالكل» من كانت على قلبه وسمعه وبصره غشاوة.  نعم. لابد أن تزال تلك الغشاوة لتتسع مداركنا فنفهم، ولا بد أن نفهم لكي نحب، ولا بد أن نحب لنروّضَ الوحش الكامن في نفوسنا، ولنتجاوز ظلامنا. فأسوأ السجون، كما يقال، قلب مغلق.  كيف يستطيع شخص سويّ فهم ذلك التوحش، أو فهم التركيبة النفسية لمن يدمر ويقتل دون أن يرف له جفن. وماذا في دخيلة ذلك المريض غير الفراغ والظلام؟ وكيف نملأ ذلك الفراغ ونضيئه بقيم التسامح والحب والجمال، فنجنبه الدخول إلى ذلك النفق المظلم، قبل أن يملأه «خبراء» تغييب العقل بأشواك العنف والكراهية والانفصال عن كل ما هو إنساني. غالبا ما يطرح السؤال على هذا النحو: كيف تصبح إنسانا ناجحا؟ أو كيف تصبح إنسانا متفوقا أو متميزا أو محبوبا أو اجتماعيا أو سعيدا؟ ولعل السؤال الأهم الذي نسيناه زمنا طويلا هو: «كيف تصبح إنسانا»؟ بكل ما تختزنه صفة «إنسان» من معنى. لقد بات طرح هذا السؤال ملحّاً، الآن، قبل أي وقت مضى. فكل هذا التقدم المادي، وكل تلك الإنجازات التقنية والعلمية التي حققتها البشرية لم تساهم في ترويض الوحش الكامن في النفوس، أو توقف تلك الانهيارات الأخلاقية المدمرة.