د.إحسان علي بوحليقة

ولاءات عابرة للأوطان-2

قلنا بالأمس إن من يخون وطنه فتلك جريمة أمرها محسوم وليست مجالاً للمطارحات الجدلية وللصياغات البلاغية ولا للاستنادات القائمة على شبهات وظنون، فالتخابر أو التجسس لصالح دولة أجنبية تهمة تناط بشخص بعينه ويسجل ضده اتهام مقنن قائم على وقائع تدلل على حدوث تخابر أو تجسس: شخص محدد، ودولة محددة، وفعل محدد! وهكذا..

فاتهام أي مواطن في ولائه لا يستقيم ارتكازه إلى قرائن فضفاضة وظواهر عامة تستند لمذهب أو توجه حزبي أو سياسي أو طائفي ، بل لابد أن يوجه من جهة مخولة نظاماً إلى شخص بعينه بناء على اتهام محدد يقوم على حقائق ووقائع واستنادات.. وعليه، فمن الصعب ترك الاتهامات المرسلة تمرّ فهي تمثل أخطر ما يمكن أن يتهم به مواطن: في وطنيته وإخلاصه لبلده.

تجربتنا التاريخية ليست مثالية لكنها حقيقية تثبتها الشواهد.. ومادام المتوقع من كل مواطن أن يضع مصلحة وطنه أولاً فلنفعل ذلك دون أن يشير كل بإصبع الاتهام إلى آخرين ويبرئ نفسه بل ويزكيهاأما الاتهامات الجرارة القائمة على أرضية مذهبية أو طائفية أو فئوية، فعلينا ألا نرهق أنفسنا لوماً وجلداً فقد أفرزتها وحفزتها التجاذبات والتغييرات السياسية العميقة المشتعلة والمعاشة حولنا.. إلا فالجغرافيا ثابتة مستقرة لم يقع عليها تغيير لقرون ممتدة، ومع ذلك ورغم التنوع فقد بقيت الولاءات لهذه الأرض ولم تبرحها أبداً متلازمة ومتماهية مع صيغ التعايش والتآلف المعزز للسلم الاجتماعي والانتاج الاقتصادي لمئات السنيين، فلم نشهد أو أباؤنا أو أجدادنا أو أجدادهم حبائل أو دسائس من أي طرف. وتجربتنا التاريخية ليست مثالية لكنها حقيقية تثبتها الشواهد.. ومادام المتوقع من كل مواطن أن يضع مصلحة وطنه أولاً فلنفعل ذلك دون أن يشير كل بإصبع الاتهام إلى آخرين ويبرئ نفسه بل ويزكيها، وعلينا أن نستحضر ونستفيد من إرث هذه الأرض في التعايش والتآلف والتكافل بل ونجعل تجربتنا نبراساً للآخرين وليس العكس. أما من يُصرّ أن يُسقط أحداثاً أجنبية على وطننا أرضاً وشعباً فهو –في ظني- يستبدل الأدنى بما هو خير، حيث يجلب بضائع مستوردة ليستشهد بها في أوضاع محلية!.. قد تفيد لتدبيج عبارات بلاغية فخمة لكنها تبقى خارج السياق. أدرك أن ثمة بلدان ومجتمعات كابدت من التنازع والانقسام، لكن تجربتنا أرقى وأصلد من تلك التجارب حضارياً وفكرياً فقد تمكنت على مدى قرون من صيانة المجتمع وسلمه العام بإعتباره ضرورة للحفاظ على الاستقرار الذي هو عماد أي نشاط بشري متحضر منتج، وقد أفرز إرثاً للتعايش امتد لا يسمح للتفرس في السحنات والأسماء فرزاً وتصنيفاً، فكل السحنات سواء فلن يفيد التفرس الباحث عن فوارق فهو لن يجدها ولا يجدر بأحد أن يصطنعها.