فيها قولان.. أو أكثر!
قلتُ في مستهل المقال السابق: «كما أنه لا توجد بصمتان متشابهتان فإنه لا يوجد تعريفان متشابهان للسعادة». لكن، عند الحديث عن الشعوب السعيدة، تؤخذ بعين الاعتبار المعايير الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فتأتي في المقدمة البلدان الاسكندنافية (الدنمرك النرويج السويد.. إلخ). وانطلاقا من تلك المعايير، فإن البقرة الفرنسية الضاحكة، مثلا، ليست أسعد حالا من البقرة الدنمركية المدللة، لكنها بالتأكيد أفضل من أبقار العالم الثالث. مع ذلك سيقتصر الحديث، هنا، على السعادة في محيط الأفراد وليس الشعوب.يقال: «ابحث عن السعادة في نفسك». فهي شعور نابع من الداخل، أي أنها كالجمال الذي لا يراه إلا من كانت نفسه جميلة. وحين قال الشاعر إبراهيم ناجي «ما بأيدينا خلقنا تعساء» لم يكن مخطئا ولا مصيبا بشكل مطلق. فجزء من شقائنا «مستورد»، وجزء ناتج عن عدم القدرة على إدارة شؤون حياتنا بشكل صحيح، فهو «صناعة محلية»، وجزء آخر عبّر عنه المثل الانجليزي القائل: «يبحث بعضهم عن السعادة كالسَّاهي الذي يبحث عن قبعته، وهي فوق رأسه». ومن مسببات الشقاء، كذلك، أن نطلب ما ليس لنا، ولا نلتفت إلى ما بين أيدينا.
نعم، قد لا يدرك المرء أنه سعيد إلا إذا رأى شقاء غيره. وقد يُحاط بأناس لا يجود الزمان بمثلهم إلا نادرا، لكنه لا يراهم إلا إذا فقدهم. وقد يظن أن الآخرين مصدر شقائه، ولو راجع نفسه، لاكتشف أنه مصدر شقاء المحيطين به.
نعم، قد لا يدرك المرء أنه سعيد إلا إذا رأى شقاء غيره. وقد يُحاط بأناس لا يجود الزمان بمثلهم إلا نادرا، لكنه لا يراهم إلا إذا فقدهم. وقد يظن أن الآخرين مصدر شقائه، ولو راجع نفسه، لاكتشف أنه مصدر شقاء المحيطين به. ولأن السعادة نبع يتدفق من الداخل، ولأن الأمزجة والأرواح مختلفة، فقد نرفض وصفات السعادة التي يقترحها غيرنا. لذلك يقول كانت: «ليس باستطاعة أحد إجبارنا على أن نكون سعداء بالكيفية التي يراها هو». لكن، ما أكثر أولئك الذين يريدون أن تكون سعيدا على طريقتهم!.وإذا كان هنالك من يرى أن العمل مصدر سعادة، فهو محق، «فليس الإنسان، كما يرى بعضهم، إلا مشروعه الإنساني، ولا يوجد إلا بمقدار ما يحقق من ذلك المشروع». هنالك، أيضا، من يرى أن المال يصنع السعادة: «يتقدم المال فتنفتح الأبواب» كما يقول شكسبير. لكنه قد يكون مصدر قلق وعبودية أيضا. أخيرا، يجد بعضهم رابطا قويا بين السعادة والتفاؤل. ففي الوقت الذي يرى المتفائل النصف المليء من الكأس، يرى المتشائم النصف الفارغ منه. وفي مشهد من فيلم بعنوان: «13 دردشة لشيء واحد»، أو محور واحد. ويبدو أن ذلك المحور هو السعادة، يُلاحِظ رئيسُ قسمٍ في إحدى الشركات أن أحدَ مرؤوسيه دائم المرح والضحك. وذات يوم، كان على الرئيس أن يسرّح أحد الموظفين، فوقع اختياره على ذلك الموظف البشوش المتفائل. استدعاه و»زفّ» إليه ذلك الخبر المزعج. قال الموظف بنبرة هادئة: هل ارتكبت خطأ ما؟ قال رئيسه: لا.. لكن الشركة تمر بظروف مالية صعبة، ولأنك أقلّ الموظفين خدمة، فقد وقع الاختيار عليك. علَّق الموظف الذي لم تفارق الابتسامة وجهه: حسنا.. لقد كنت أخطط منذ زمن طويل لرحلة عائلية، وهاهي الفرصة مواتية للقيام بتلك الرحلة. وأمام دهشة الجميع، جمع أغراضه، وودع رئيسه وزملاءه بحرارة ثم انصرف، والابتسامة تضيء وجهه! فهل هو شخص سويٌّ؟ أم أن التفاؤل، كما يزعم بعضهم، لا ينمو إلا في المصحات العقلية؟ مسألة فيها قولان!