د. فالح العجمي

بين اليهودي والمسلم المعـاصرين

بعيدًا عن الصور النمطية المعهودة عن اليهودي بأنه حقير واستغلالي وجشع ولا يحب أحدًا إلا نفسه، وعن المسلم بأنه ذو طبع شرس وإرهابي ولا يتعايش إلا مع العنف والصحراء؛ يمكننا أن نمحص وضع كل منهما في العصر الحاضر.

هل دققنا في طرق تعامل كل من اليهودي والمسلم مع ظروف الحياة، وشروط العيش والإنتاج في المجتمعات الحديثة؟ أشك في أننا قمنا بذلك بطريقة موضوعية. فكل ما نقوم به أننا نجامل ثقافتنا كثيرًا، بدءًا من الإكثار من ترديد الكليشات التي ورثناها في تراثنا القديم، وانتهاء بالإيمان المطلق بتفوّقنا، حتى لو لم نبذل أي شيء في سبيل تحقيقه. لن أنطلق من الإحصائيات التي وضعها بعض المجتهدين من أبناء ثقافتنا، الذين أرادوا إقناعنا بأننا واهمون في ذلك الإيمان المطلق بتفوقنا؛ والتي تتضمن ضعف رصيدنا في المنجزات العلمية، والحصول على الجوائز العالمية والاعتراف بنا بوصفنا عناصر بناء في الحضارة الحديثة.

هل دققنا في طرق تعامل كل من اليهودي والمسلم مع ظروف الحياة، وشروط العيش والإنتاج في المجتمعات الحديثة؟ أشك في أننا قمنا بذلك بطريقة موضوعية. فكل ما نقوم به أننا نجامل ثقافتنا كثيرًا، بدءًا من الإكثار من ترديد الكليشات التي ورثناها في تراثنا القديم، وانتهاء بالإيمان المطلق بتفوّقنا، حتى لو لم نبذل أي شيء في سبيل تحقيقه.

وفيها رغم مرارة الألم دعوة إلى التفكر بعقلانية في أسبابها، وتفادي ما يمكن تفاديه منها. اليهودي في العصر الحديث مندمج في مجتمعه الذي يعيش فيه، سواء كان في أمريكا أو أوروبا أو أي بقعة أخرى من العالم. وهو يتفهّم قوانين ذلك البلد، ويتفاعل مع مؤسسات المجتمع المدني، ويعدّ نفسه عضوًا فاعلًا فيه، ومنتميًا إلى وطنه، حتى وإن اختلفت ديانته عن ديانة الأغلبية في ذلك الوطن. أما المسلم في المقابل، فنراه في الغالب يحرص على التميّز عن بقية مكوّنات المجتمع الذي يفترض أنه ينتمي إليه. فإن كان رجلًا أطال اللحية، أو أنشأ تجمعات قائمة أصلًا على الرابطة الدينية؛ يستعيض بها عن اندماجه مع مكوّنات الوطن الأخرى. وإن كانت امرأة، كان لباسها ـ في الغالب ـ موحيًا بذلك الانتماء، وواضعًا حدودًا للآخرين دون التفكير في التفاعل معها. كنت رأيت أفرادًا من الجالية التركية في ألمانيا، يلبس رجالها قبعات الأتراك المخططة المميّزة، وتلبس نساؤها ذلك اللباس المميّز التقليدي للنساء في بعض المناطق التركية. ويتساءلون عن عدم قبول المجتمع الألماني لهم، بالرغم من أنهم ـ خاصة النساء ـ لا يتكلمون لغة البلد، ولا يحرصون على تفهّم مناسباته الاجتماعية أو احتفالاته الوطنية، ولا يتابعون الأحداث المحلية، أو الأخبار السياسية المتعلقة بهذا البلد الذي يعيشون فيه. وشاهدت بعضهم يكيلون الشتائم للبلد المضيف، ويدعون إلى محاربته في مساجدهم، وهي بالمناسبة غرف تقدّمها لهم جامعات البلد المضيف، ليصلّوا فيها صلاة الجمعة. وهم يعتقدون أنه بما أن خطبهم تكون باللغة العربية، فإنه لا أحد يدري ماذا كانوا يقولون. وفي ناحية التأثير نجد اليهود متغلغلين في منافذ الاقتصاد والإعلام، ويكونون مراكز قوى فاعلة في سبيل تحقيق مصالح جاليتهم، وكذلك إبراز الجانب الإيجابي للثقافة اليهودية بوصفها أساسًا للعهد القديم الذي يؤمن به المسيحيون في أوروبا وأمريكا. وخلافًا لذلك لا يشكّل المسلمون أي مراكز ثقل في البلدان التي يتواجدون فيها بكثافة؛ لأن جُلهم يعيش على الهامش، ومن منهم يصل إلى مراكز متقدمة بسبب تخليه عن تلك السمات المذكورة أعلاه للفرد المسلم، فإنه يندمج بمفرده مع المكوّنات الأخرى، ولا يتواشج مع بقية العناصر التي يعتقد أنها تعيق ذلك الاندماج. وبهذا يصبحون أفرادًا لهم تأثير في محيطهم، ونجاح في مسيرتهم العملية، لكن ثقافتهم غائبة عن مسرح الأحداث والبروز. فتبقى الصورة النمطية للمسلم قائمة أنه ذلك الإرهابي الغبي المحدود الاهتمامات. وفي حالات تواصل الغربيين المحايدين مع المجتمعات الإسلامية يكتشفون عناصر إيجابية جدًا في بلدانهم الأصلية، وربما تفوّقت عددًا على الأفراد الصالحة للتعامل مع الآخرين من الثقافة اليهودية، لكنها مغيّبة، أو غير منخرطة في نسق يبرز تلك القدرات، والسمات الإيجابية. ويتساءل أكثرهم: ما لكم تبرزون أسوأ ما عندكم؟ وتتركون أشياء وأفرادًا يستحقون أن يكونوا في الواجهة؟ ولو عكستم البوصلة، لتفوّقتم ليس على الدولة اليهودية الصغيرة الحجم والمحدودة الإمكانات، بل أيضًا على كثير من دول العالم. وفي العام الماضي فاجأ المصريون العالم بثورة 25 يناير، التي ذهل العالم من قدرة مجتمع أغلبه مسلم على إنتاج ثورة سلمية تفوّقت على ثورة الفرنسيين بسلميتها، ودعوتها إلى التغيير الجذري، وإصرار الناس فيها على تحقيق مرادهم كله. لكن مأسسة هذه الصورة تحتاج إلى زمن طويل، إذا بقي الناس مترددين نحو الحل السحري «الانفتاح».