من أين يأتي الفرح ؟
ومنا من يجد السعادة في الحب، لذلك يستشهد أندريه موروا في كتابه (فن الحياة) بمشهد من قصة تولستوي (آنا كارنينا) حيث يهيم بطل القصة في الطرقات جذلانَ بعد فوزه بيد فتاته، لقد بدا له كل شيء ذلك النهار جميلا. «بدت له السماء أكثر زرقة، والطيور أشجى تغريدا مما ألفها، حتى نظرة حارس الباب بدت له أكثر عطفا مما اعتادها»! نشرتُ، قبل أيام، مقالا بعنوان (حيثُما نحبْ يَكنْ بيتنا) واقتبستُ في ذلك السياق عبارة تقول: «أحلم ببيت منخفض، نوافذه عالية، وثلاث درجات متآكلة ملساء وخضراء، بيت خفي فقير، حيث أعود إليه أحيانا، لأجلس وأنسى النهار الرمادي والمطر».
كثيرون هم الذين يجدون السعادة في الحرية. لكن الحرية لا تتحقق وأنت أسير الحاجة، ومحاط بقائمة طويلة من الرغبات. «كلما زادت رغباتك زادت أغلالك». لذلك فإن ترويض النفس، والحد من إلحاح الحاجة أُولى الخطوات على طريق الحرية. فهل السعادة في القناعة؟لم تكن تلك دعوة للزهد، لكني تلقيتُ تعليقا ظريفا من أحد الأصدقاء على هاتفي المحمول يقول: «اتركْ عنك.. ما فيش أحلى من حياة القصور»! المسألة نسبية، ولولا أنها كذلك، لما قالت ميسون بنت بجدل: «لَبَيْتٌ تخفقُ الأرواحُ فيه/ أحبُّ إلي من قصرٍ منيفِ»! هنالك من يملك كل شيء إلا الفرح. لذلك لا يمكن أن تكون السعادة «رصيدا جيدا وطباخا ماهرا» كما يقول الفيلسوف روسو هازلا، على ما يبدو. كثيرون هم الذين يجدون السعادة في الحرية. لكن الحرية لا تتحقق وأنت أسير الحاجة، ومحاط بقائمة طويلة من الرغبات. «كلما زادت رغباتك زادت أغلالك». لذلك فإن ترويض النفس، والحد من إلحاح الحاجة أُولى الخطوات على طريق الحرية. فهل السعادة في القناعة؟ هذا ما يراه بعض الحكماء، ومنهم أبو العلاء المعري. لكن الأمر ليس بتلك السهولة، كما يزعم بشار بن برد الذي يقول: «لعمري لقد غالبتُ نفسي على الهوى .. لترضى فكانت حاجةُ النفس أغلبا .. ومن نَكَدِ الأيام أنَّ اجتنابها.. رشادٌ وأني لا أطيق التجنبا»! وفي حين يرى أرسطو السعادة في الحكمة، باعتبارها الشراع والبوصلة في بحر الحياة المضطرب، يرى آخرون، ولو من قبيل التهكم، السعادةَ في السذاجة والجهل. وقد عبر المتنبي عن ذلك بقوله: «ذو العقلِ يَشقَى في النعيمِ بعقله، وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ». وقد يرى بعضهم السعادة في ترقب السعادة، وهو ما يفسر قول الشاعر: «لذَّاتُنا في الشَّوقِ لا في الوصالْ»! شيء يشبه متعة الفنان أثناء إنجاز الصورة، فالمتعة في الرسم، وليس في الصورة. السعادة، عند هؤلاء، هو انتظار الغد ليصطادوا العصافير العشرة التي على الشجرة. إلا أن الانتظار نقيض للسعادة، لذلك يجد آخرون أننا سنكون أحسن حالا إذا لم ننتظر شيئا. وإذا كانت السعادة في الحرية، فانتظار ذلك الذي يأتي، وقد لا يأتي، شبيه بالأسْر، وقد يحرمنا ذلك الانتظار من الاستمتاع بالحاضر، وفي ذلك يقول أبو ماضي: «يا من يحنّ إلى غدٍ في يومه/ قد بعتَ ما تدري بما لا تعلمُ».. للحديث بقية .. وكل عام وأنتم سعداء.