حسن السبع

إلامَ الخُلْف .. وعَلامَ الضجَّة ؟

«إلامَ الخُلْفُ بينكُمُ إلاما.. وهذي الضجَّةُ الكبرى علاما؟!» سيبقى هذا السؤال الذي طرحه الشاعر أحمد شوقي، قبل أكثر من ثمانية عقود، مفتوحا على مصراعيه إلى أجل غير مسمَّى. كما ستبقى الإجابات متعددة وفقا لتعدد الظروف والأحوال. سيبقى «الخُلف» متقدا، لأنه قد وُجِدَ، دائما، من يبقي شعلته متقدة، كما وُجِدَ، دائما، من يستثمر في (بورصة التخلف) لتحقيق بعض  المصالح والغايات، وبدون ذلك الخُلف يفقد دوره، وتقلُّ أهميته، وتتضرر مصالحه. يدرك ذلك المسوّق، بحسه التجاري، أن»لكلّ ساقطةٍ في الحي لاقطةٌ/ وكلّ كاسدةٍ يوماً لها سوقُ». بل إن السوقَ، في بعض الظروف والأحوال، هي سوق الأشياء «الرخيصة» المهلهلة، لكنها تباع بأغلى الأثمان. في (سوق الغفلة) مسوّقون وسماسرة ومستهلكون.. ولولا تردي بعض العقليات لكسدت سوق تلك السلع. هنيئاً لتلك المجتمعات التي سلكت طريقَ العقل، فاستفادت من ماضيها، وتجاوزت صراعاتها، وكرَّست حاضرها للبناء والإنتاج، وأدركت، قبل فوات الأوان، عقمَ تلك الضوضاء التي لا طائل منها ولا نائل.. والعقبى لأولئك المقيمين في الفوضى!في كتابه (بلدي)، وتحت عنوان (كتابة على خنجر) يدوّن الكاتب الداغستاني رسول حمزاتوف النص التالي: «أيا كان الذي تقابله في الطريق، عدوا كان أم صديقا، فهو مثلك، تماما، إنسان. فلا تنس هذا وأنت تحمل خنجرك»! لكن الناس، وباسم حقائقهم الخاصة لا يلتفتون إلى تلك الوصية. وفي سبيل ذلك، تنازل بعضهم عن بقايا إنسانيته، فنبتت له أنيابٌ ومخالب.  ولأندريه جيد وصية أخرى تدعو للتأمل هي: «ثِقْ بمن يبحث عن الحقيقة، ولا تثقْ بمن وجدها»! لكننا، في الغالب، نثق بمن يدعي وصلا بها.  وما أصواتنا إلا صدى لأصوات أخرى. وقد قيل: «ليس أغبى من صدى»! فالصدى تابع، وهو تكرار لصوت ما، أيا كانت طبيعة ذلك الصوت، وسواء كان الصوت حكمة أم حماقة، فإن الصدى لا يميز بين الحكمة والحماقة؛  ولا بين الخير والشر، أو القبح والجمال. الببغاء طائر ذكي ثاقب الفهم، لكن عندما يتشبه الإنسان بالببغاء فذلك هو الغباء. ومرة أخرى، يمكن التذكير باقتراح بول آردن القائل:»إذا واتتك فكرة ما، فعليك أن تفكر في نقيضها». فهنالك، دائما، زوايا أخرى يمكن النظر من خلالها للأشياء، زوايا تتيح لنا رؤية ما وراء كثير من المظاهر من أجل قراءة متأنية واعية.  عن هذه القراءة المتأنية الواعية لكل ما يقال، يقول زكي مبارك، وهو، إضافة إلى أدبه وظرفه وخفة ظله وعلمه، رجل حكيم: «لو كان الناس يتبيَّنون كل ما يسمعون لتغير وجهُ التاريخ». أجل.. لو كان الناس على ذلك المستوى من الوعي لتغير وجه التاريخ إلى الأفضل! لكن الناس، يا سيدي، تحب أن تسمع ما يتفق مع  انتماءاتها وميولها ورغباتها وعواطفها، وتحب أن تصدّق ما يلاقي هوى في النفس، ولو كان مضللا ومنافيا للمنطق. كل يحب أن يشنّف أذنيه بما يتناغم مع قناعاته، إلى درجة يتم فيها تعطيل العقل أو تغييبه. وليس هنالك من هو أكثر عمىً من ذلك الذي لا يريد أن يرى! ستبقى «الضجة» التي تساءل شوقي عن أسبابها، على أشدّها، ما دام كل طرف لا يصغي إلا إلى صوت نفسه، أو يصغي برُبْع أُذن، ويتكلم بعشرة أفواه. وهنيئاً لتلك المجتمعات التي سلكت طريقَ العقل، فاستفادت من ماضيها، وتجاوزت صراعاتها، وكرَّست حاضرها للبناء والإنتاج، وأدركت، قبل فوات الأوان، عقمَ تلك الضوضاء التي لا طائل منها ولا نائل.. والعقبى لأولئك المقيمين في الفوضى!