الحصان.. والعــالم الأفقي
عرف الإنسان الحصان منذ مئات الآلاف من السنين على أقل تقدير، واستأنسه منذ ما يربو على اثنتي عشرة ألف سنة تقريبًا. حينها حدث تطوّر كبير في حياته المعيشية، والاقتصادية، ثم العسكرية في وقتٍ لاحق، بعد أن اكتشف قوة إضافية في سرعة الحصان؛ تجعله يتغلب على خصومه من البشر، وكذلك من الحيوانات المفترسة. لكن تلك السمات ليس هي ما أتناوله في موضوع الحصان لهذا اليوم، بل ما يهمّني في هذا الحيوان الرمز للقوة والسرعة والرشاقة والأصالة لدى كثير من المجتمعات البشرية هي قيمته في منظومة الرؤية الكونية. فبالرغم من أن الحصان محترم ومعترف بخصائصه المذكورة عند الشعوب القديمة منذ فجر التاريخ، إلا أنه لم يدخل تاريخ الفكر البشري بوصفه رمزًا دالًا في أي من الأيقونات القديمة أو الحديثة، التي تشير إلى خلفيات رمزية لحقب تاريخية أو انتماءات ثقافية وجغرافية.توصّلت بعد استقراء بعض سمات الإنسان الفطرية التي يمكن التعرُّف عليها من خلال المقاربة الأنثروبولوجية، أنه ينزع إلى احترام الكائنات التي تعاديه، أو تلك التي تنتمي إلى العالم العمودي. ومن تلك الكائنات الطيور الجارحة، خاصة تلك التي تحلق على ارتفاعات عالية، وتبقى طويلًا في الأجواء، كما تنافس الإنسان البدائي على طرائده. من الكائنات التي حصلت على تلك المكانة في ثقافات الأمم بعض الطيور، خاصة الصقر والنسر، وبعض الحيوانات المفترسة، خاصة الأسد والنمر. فقد حملت عملات قديمة وحديثة صور هذه الكائنات دالة على قرائن ترتبط بالصفات المعروفة أو المتخيّلة عن بعض تلك الرموز. كما استخدم الإنسان في الأعلام الوطنية أو المحلية أو المهنية بعضًا من صور أي من هذه الكائنات، بالإضافة إلى الألوان التي تحمل أبعادًا ثقافية تاريخية. فلماذا استخدمت تلك الكائنات في ذلك الدور الرمزي، بينما تجاهل البشر استخدام الحصان في الدور نفسه؟ ولماذا لا نجد الحصان مقترنًا بدور بطولي إلا وهو مركوب، حتى عند الفوز في بطولاتٍ رياضية فإن ما يبرز هو الخيال الذي يحوز على الجوائز أو المالك الذي يحصد الأوسمة بفضل جهد حصان بطل؟ قال لي أحد مَن ناقشته في الموضوع إن الحصان وربما أيضًا الحمار الصبور وبعض الحيوانات النفعية التي استفاد منها الإنسان كثيرًا، وأنكر فضلها، تمثل حلقة نكران الجميل لدى الإنسان، أو ما يُطلق عليه «المأكول المذموم»، بالرغم من أن الحصان لا يصل إلى درجة الحمار، الذي تمادى معه الإنسان في جحد فضله، وتأثيره في كثير من مراحل حياة الإنسان وبناء حضارته. مع ذلك لا يتمتع الحمار بأي مكانة في كثير من المجتمعات البشرية، بل لا يسلم من الأذى، ومن الأوصاف التي تشير إلى ذمه، وتشبه الأغبياء من البشر بأنهم يماثلون الحمار. كما يضربه كثير من البشر الذين يستفيدون من خدماته، ويحمّلونه في بعض الأحيان فوق ما يطيق، ولا يطعمه بعضهم أيضًا كما ينبغي. فالإنسان إذاً في هذه الحالات هو الظالم والمتصف بالغباء. لكني توصّلت بعد استقراء بعض سمات الإنسان الفطرية التي يمكن التعرُّف عليها من خلال المقاربة الأنثروبولوجية، أنه ينزع إلى احترام الكائنات التي تعاديه، أو تلك التي تنتمي إلى العالم العمودي. ومن تلك الكائنات الطيور الجارحة، خاصة تلك التي تحلق على ارتفاعات عالية، وتبقى طويلًا في الأجواء، كما تنافس الإنسان البدائي على طرائده. أما النوع الذي تكون نظرته إلى الأفق، فهو غير عجائبي، وليس جديرًًا بالقداسة، أو بتكوين الرمز الجاذب للاهتمام. يمكن لمثل هذه الكائنات أن تمثل دائرة العناصر المقرّبة، أو تلك التي تكمل دورة الحياة في المأكل أو الاستخدام في التنقل أو الملبس أو الترفيه أو الحراسة، لكنها لا تملك من الغموض الدرجة التي تجعل الإنسان يفترض فيها سرًا يستحق تقديسه إياها. فهي تنظر إلى الأفق (كما ينظر هو إليه)، ولم تشكّل خطرًا عليه، ليخشى منها ويحوّلها إلى طوطم، كما هي في بعض المجتمعات الخرافية، أو الأخرى القائمة على المكوّنات السحرية. وعندما صارحت صاحبي بما توصَّلت إليه، قال: لكن لماذا قدَّر الإنسان الأفعى، وجعلها حارسة الكنوز، سواء في الثقافات المصرية والهندية القديمة، أو الحضارة السامية القديمة والحديثة؟ قلت: بل هذه الفكرة تؤكد النظرة تلك، لأنه يخاف من سُمّها، ومن خطورة بعض أنواعها التي تفاجئ الإنسان في الأدغال أو في الظلام أو من تحت الرمال. فهي شبه عمودية، وليست عمودية. ولك الله أيها الحصان والحمار! فعليكما أن تختارا طريقة تنتميان بها إلى العالم العمودي، لكي يحترمكما الإنسان، وينصفكما من الظلم، الذي تتعرضان إليه في تاريخكما الطويل في خدمة البشرية!