«يالله خذ عفشـك وامشِ من الأرض»!
ليس غريبًا في المجتمع الأمريكي أن تنشأ منظمة هدفها الرئيس التخطيط الطوعي لانقراض البشرية. فقد تأسست تلك المنظمة في عام 1991م، وهي منظمة غير حكومية (NGO) بعنوان علني يعكس ذلك الهدف الرئيس: «The Voluntary Human Extinction Movement» (يقابله بالعربية: الحركة التطوعية لفناء البشر). الغريب أن تلك المنظمة قد بدأت بوصفها منظمة بيئية تهدف إلى الحفاظ على مقوّمات الحياة على الأرض، ثم اقتنع مؤسّسوها بأن البشر لا يصلح حالهم، وليس لهم إلا الزوال، لكي تعيش الأرض سليمة معافاة، وتعيش عليها بقية الكائنات الحية غير المسرفة في استهلاك موارد الحياة فيها. أيهما أجدر بالحفاظ عليه: حقوق الإنسان المستبدّ بكل مصادر الحياة على الأرض، أم توازن البيئة، التي يعود إليها كثير من الفضل في بقاء الكائنات الحية، واستمرار وجودها؟ وُجد في الفلسفة البيئية تياران: أحدهما ذو توجّه إنساني، وهو يتبنى موقف الدفاع عن مبدأ ضرورة حماية البيئة، ولكن من وجهة نظر المصلحة العامة للبشرية في المرتبة الأولى. وفرضيته في هذا الصدد مفادها أن البشر أسمى الكائنات في الطبيعة، وهم مصدر جميع القيم، وأن الغاية الكبرى من جميع أنشطتهم وفعالياتهم في الطبيعة هي تلبية حاجاتهم وتحقيق رفاهيتهم وخيرهم. ومن هذا المنظور فإن جميع ما يوجد في الطبيعة من عناصر مادية وكائنات حية هدفه تحقيق تلك الغاية على الوجه الأكمل. بيد أنه للحفاظ على مصالح البشرية بصفة مستمرة تقتضي الحِكمة الحرص الكبير على حماية الطبيعة والبيئة، وعلى حُسن تدبير مواردها. ذلك لأن الإفراط في هدرها وتلويث عناصرها وتدمير مقوّماتها، ستؤدي في نهاية المطاف إلى كوارث بيئية عالمية؛ تلحق أضرارًا كبيرة بجميع الكائنات الحية، وفي طليعتها الجنس البشري ذاته. أما التيار الثاني، فيذكر بوصفه «فلسفة بيئية جذرية» بالنظر إلى التوجّه الثوري المتطرف الذي يطغى على خطابه العام. ويلاحظ أن هذا الخطاب يتميَّز فعلًا بالنقد الجذري للحداثة وللنظام الرأسمالي وللنموذج الغربي للنمو وللحضارة التكنولوجية. وكذلك لفلسفته التي تقوم على نظرية مركزية الإنسان في العالم. وبالنسبة إلى التيار المذكور تعدُّ الطبيعة منظومة حيوية من العلاقات التفاعلية الوثيقة بين جميع مكوِّناتها، وهي تتأثر سلبيًا بأنشطة البشر المتمادية في استغلالها وهدر طاقاتها وتغيير معالمها. وُجد في الفلسفة البيئية تياران: أحدهما ذو توجّه إنساني، وهو يتبنى موقف الدفاع عن مبدأ ضرورة حماية البيئة، ولكن من وجهة نظر المصلحة العامة للبشرية في المرتبة الأولى. وفرضيته في هذا الصدد مفادها أن البشر أسمى الكائنات في الطبيعة، وهم مصدر جميع القيم، وأن الغاية الكبرى من جميع أنشطتهم وفعالياتهم في الطبيعة هي تلبية حاجاتهم وتحقيق رفاهيتهم وخيرهم. ويؤكد، في هذا السياق، أن البشر أنفسهم هم منشأ ظواهر الاختلال الكبير، الذي تعانيه الطبيعة منذ أكثر من قرن. كما يدعو صراحة إلى الكف عن الاهتمام في الطبيعة بالجنس البشري وحده؛ وإلى ضرورة توسيع مجال اهتمام الأخلاق البيئية ليشمل جميع الأجناس الحية وجميع المكوِّنات الأخرى للطبيعة. فالجنس البشري لا يعدو كونه مجرد عقدة متميِّزة في نسيج الحياة والنظام البيئي العام، ومن هنا وجوب احترام جميع الكائنات الحية الأخرى التي يتعايش معها الإنسان منذ آلاف السنين، ومراعاة حاجاتها، بل والكلام عن احترام حقوقها أيضًا. كل ذلك الاهتمام نشأ بسبب من تفاقم ظاهرة التدهور البيئي العام غير المسبوق، الذي عمَّ كوكبنا الأرضي برًا وبحرًا وجوًا. ومعه تغيب الحرب المنسية التي تشن على البيئة وتخلف وراءها ملايين اللاجئين البيئيين، وتقضي على عشرات الآلاف من الأنواع النباتية والحيوانية؛ كما تغيّر معالم وجه الأرض وأعماقها وأجواءها. وأظن المنظمة المذكورة في أول المقال كانت جزءًا من هذا التيار الأخير الذي يعطي المجال البيئي الأولوية على رفاهية الإنسان. ثم تحوّلت أفكارها إلى مصادمة الوجود البشري بعد اليأس من إمكان إصلاح جنس هذا الكائن. الطريف في الأمر أن من وسائل هذه المنظمة الموصَى بها لتحقيق الغرض الرئيس اللجوء إلى الامتناع عن ممارسة الجنس، لئلا يستمر البشر في التكاثر، وتبقى حالة البشر وبيئة الأرض في وضعها الكارثي. فهل تظنون أن تجاوب شعوب الأرض مع هذا المطلب أمر ممكن؟ وهل سيتخلى الناس ـ خاصة لدى الشعوب الحارة ـ عن ممارسة متعهم الجنسية، التي يظن كثير منهم أنها أسمى ما يسعى الإنسان لتحقيقه لنفسه، وما يتباهى به أمام الآخرين؛ حتى وإن وجد بعض القيود والتنظيمات بشأنه. مع ذلك، فإن سمو المساعي في الشرق تتعايش مع غموض المتع فيه؛ ويبدو أن النشيد في وادٍ، والموسيقى في وادٍ آخر، لكنه من غير المتوقع أن براعة المنشد يمكن أن تخفي ألق الموسيقى وسحرها. فهل هم فاعلون؟