د. فالح العجمي

فضيلة الاختـلاف

تتعدّد مواقفنا من أي تباين في وجهات النظر، يتعلق باختيار مطعم أو مكان وليمة، أو التخطيط لوجهة سفر؛ بين أفراد العائلة، أو مجموعة الأصدقاء أو زملاء العمل، وغيرهم من الدوائر التي يمكن أن تختلف الآراء بين أفرادها في موضوعات محددة. لكن ذلك التباين يتحوّل إلى خلاف إذا كانت وجهات النظر قد أعلنت في وسائل الإعلام، أو قيلت أمام جمع من الناس. ما الذي يجري للناس الآن من عدم تقبّل للنقد، وحساسية لأي رأي معارض، حتى لو كان صاحبه قد ساقه بمنطق متماسك ودون تجريح أو قفز إلى النتائج؟ ففي موقفين متقاربَين من شخصين مختلفين في موقعيهما، وتكوينهما الثقافي؛ تقاربت العبارات في وصف المختلفين مع وجهة نظر كل منهما. الأول هو الكاتب الصحفي صالح الشيحي الذي وصف كل منتقديه بأنهم جهلة أو حاقدون (أو ساذجون، لا أذكر العبارة بالضبط)؛ مهوّلًا من حجم المؤامرة التي يتعرّض لها هو وتياره الذي انتمى إليه مؤخرًا. وكيف يتسنى لكاتب أن يسمح لنفسه بكيل التهم جزافًا لمن يختلفون معه؟ هل هذه القفزات البهلوانية محاولات للهروب من مواجهة الواقع، والاستعانة بأصحاب الخبرة الطويلة في كبت الآراء الأخرى؟الخطوط السعودية في وضعها الراهن تكسر الخاطر، ولا يمكن لأحد أن يدافع عنها إلا مَن رمى المنطق خلفه، وأراد أن يردّد شعارات جوفاء، لم يعُد العصر الحاضر يقبل بطرحها.أما الآخر، فهو موظف كبير في الخطوط السعودية (مدير محطة الرياض عبدالعزيز الدغيثر)، الذي وصف مَن يقارن الخطوط السعودية بمثيلاتها الخليجية بأنه حاقد أو جاهل، (هكذا مرة واحدة!). حاقد على ماذا؟ على مؤسسة وطنية يتمنى لها كل منتقديها بالتأكيد أن تكون من أكثر شركات الطيران نجاحًا؟ أم أن في تصريحه إيحاءً بأن كل أولئك المقارنين ليسوا وطنيين؟ وجاهل بماذا؟ جاهل بأرقام ميزانيات تلك الشركات التي تنافس على المراتب العشر الأولى في العالم، بينما لم تبلغ الخطوط السعودية إلى الآن مرحلة الربحية؟ أم أن كل المؤسسات الإعلامية التي تنشر تلك البيانات جاهلة أيضًا ومتآمرة على الخطوط السعودية؟ الخطوط السعودية في وضعها الراهن تكسر الخاطر، ولا يمكن لأحد أن يدافع عنها إلا مَن رمى المنطق خلفه، وأراد أن يردّد شعارات جوفاء، لم يعُد العصر الحاضر يقبل بطرحها. سأحكي طرفة بسيطة ـ وعالم السعودية كله طرائف ـ محتواها أن هذه الخطوط العتيدة قررت يومًا أن تبدّل طائرة متجهة إلى وجهةٍ معينة بطائرة أخرى مختلفة عنها في النوع والسعة. فما كان منها إلا أن صدمت الركاب، الذين أتوا بحجوزاتهم المؤكدة على درجاتهم التي دفعوا ثمنها مسبقًا، بأن عليهم أن يركبوا على الدرجة السياحية. هكذا في المطار، قبل الإقلاع، تكون أمام خيار أن تركب درجة لم تخترها، أو أن تعود إلى منزلك بعد دفعك كل الترتيبات الأخرى من فنادق في بلد الوصول وغيرها، واستعداد نفسي للسفر، وتوديع للأهل، وتوصيات لآخرين بإنجاز أعمال في غيابك. ثم ماذا؟ موظف الكاونتر يحيل الركاب بكل برودٍ إلى كشك صغير فيه موظف لا يملك أي قرار. وينتظر الركاب، الذين اتخذت الخطوط السعودية القرار نيابة عنهم إتيان أحد ممّن يملكون القرار، وقبيل الإقلاع يتفضل أحدهم، ويبلغ كذبًا بأن الخطوط ستدفع تعويضًا للركاب الذين لم يتسنَ لهم الركوب على درجاتهم التي حجزوا عليها.. إلخ من الكليشات المعروفة في أدبيات هذه الخطوط. وهذه الظاهرة ليست الوحيدة التي يعرفها الناس عن خطوطنا المبجلة التي لا مثيل لها، والتي يعرف الناس عدم صدق العبارة التي يرددها الإعلان في نهاية الرحلة: شكرًا لاختياركم السعودية!الناس يا سادة لم يعودوا كما كانوا قبل خمسين أو أربعين سنة، عندما كانوا يفرحون بمعرفة أحد في الخطوط السعودية، لأنه يدبّر لهم الحجز، وبمنة شديدة؛ فلم يكن آنذاك لأحد حيلة أخرى. أما الآن، ففيما عدا الداخل، لم يعُد الناس يتجهون إليها، بل يفضلون حتى الرحلات غير المباشرة على أن تخضع لمنة السعودية وتعسُّفها. وقد سمعت تبرّمًا كثيرًا من المسافرين من مكاتب السفر التي تحجز لأحد سكان الرياض على أي رحلة عن طريق جدة، لأنه سيضطر إلى ركوب إحدى رحلات الخطوط السعودية في خطٍ داخلي. فهل كل هؤلاء المتبرمين والرافضين لركوبها حاقدون أو جاهلون؟ أتمنى أن تعيد النظر ـ يا أستاذ عبدالعزيز  ـ في قناعاتك، كما آمل أن تعيد «السعودية» النظر في وجود أمثالك في موقع القرار، إن كانت تريد أن تتزحزح عن المستوى المنخفض الذي وصلت إليه!