وأدُ الحلم.. استطرادٌ لا بدَّ منـه
قلت في مقال سابق: لا يرغب أحد في أن «تُمسخَ» شخصيته فيصبح (توماس جراد جرِنْد) الشخصية التي صاغ منها شارل ديكنز روايته (أوقات عصيبة)، فقد كان جرِنْد داعية نظام تربوي يسحق الخيالَ لصالح الوقائع، وكانت مهمته كمدرس للأطفال وَأْدَ الحلم، ومحاربة المجاز.والواقع أن لهذه الشخصية نظراء في كل زمان ومكان. ومنهم مَن هو مسؤول عن توجيه السياسات التربوية التي قد تنتج نماذج مشابهة. ومن أولئك النظراء مَن هو على النقيض من «موضوعية» جرِنْد، وهوسه بالحقائق. هنالك تفاصيل أخرى لم أشر إليها. فقد كان يُعارض تغطية الجدران بورق عليه صور خيول. ويتساءل: «هل رأيتم خيولًا تسير على الجدران كحقيقة واقعة؟». مكان الخيول هو الإسطبل. وعندما تُفرش أرضية غرفة بسجادة مطرزة بالورود فذلك مدعاة لتهكّمه، فالورود مكانها الحديقة. هناك حيث لا يدوسها الناس بالأحذية. وقد أراد ديكنز من اختراع تلك الشخصية نقد القيم النفعية التي سادت المجتمع الصناعي في عصره. يُذكرني جرِنْد بصديق يحاول أن يطوع كلَّ شيء ليناسب منطقه الخاص. قرأت مرة في حضرته نصًا لي عنوانه «الموتى» جاء فيه: «رأيتُ صديقَ العمرِ في المعسكر الآخر.. أثار شكلُه (الدَّونْ كِيخُوتي) ضحكي.. وأثار شكلي سخريتَه.. وحين حانتْ لحظةُ الالتحام.. تعانَقْنَا بودّ، ثم لجأنا إلى مقهى بعيد.. لنحتفلَ بانْتِصَارِنا على الموت». فاجأني بقوله: «ليس صحيحًا.. لا يستطيع أحد الانتصار على الموت»! تأكد لي، عندئذ، أنني في وادٍ هو وادي المجاز، ووادي السحر، وصديقي في وادٍ مجدبٍ من كل ذلك. أدركت،كذلك، لماذا انتحر الشاعر (مايكوفسكي)! قلت له: «هذا مجاز يا صديقي». قال: «حتى المجاز والخيال خاضع للديالكتيك»! كنت أتحدث عن الموت المعنوي، وكان معنيًا بالموت البيولوجي. لم أشأ عندئذ أن أوسع دائرة النقاش فأقول له: إن لغة الشعر انفعالية تُرفض أو تُقبل كما هي. أن تنبت وردة فوق الجمر، هذا تعبير شعري لا يخضع لمنطقنا اليومي. ذلك أننا، وفي حضرة الشعر، لا نرتدي جلباب الجدل، بل نتّشح بوشاح التأمل.. ننظر إلى الوردة بعيني فنان، لا بعيني عالم نبات. حتى الآن، تبدو المقارنة بين الشخصيتين مقبولة. فبين صديقي الجدلي، وعاشق الحقائق جرِنْد بعض القواسم المشتركة. أما ما ليس مقبولًا فهو مقارنتهما بالمدعو (جرِنْدَر). سوف تسألني: ومَن هو جرِنْدَر؟ إنه شخصية تعشش في ذاكرتي منذ زمن طويل، وتعني (المطحنة) Grinder لأنها تعمل كالرحى بشكل دائري، وتفكّر بشكل دائري، وأراها يوميًا على شاشة التليفزيون، ومواقع التواصل الاجتماعي، وفي عيون الملثَّمين، ودخان الحرائق، وأنقاض المباني، وفي فوضى هذا الشرق البائس. لو كنت روائيًا لأخرجت تلك الشخصية من رأسي بتحويلها إلى عمل تراجيدي. نعم، رغم الاعتراض على شخصية جرِنْد الإنجليزي، وعلى الشخصية نفسها في نسختها العربية، إلا أنهما نموذجان فاعلان يؤمنان بمبدأ الشراكة في بناء العالم. وإذا كانا غارقين في خضم الواقع إلى درجة كبح الخيال، أو الاعتراض على المجاز، فالنموذج الآخر غائب، أو مغيَّب، عن الواقع. فهو غائب عن الحاضر، وغير معنيٍّ بالمستقبل، ولديه حقائق نهائية غير قابلة للجدل، ومهيأ نفسيًا وتربويًا لاستخدام العنف، بشقيه اللغوي والجسدي، لِوَأْدِ أحلام الآخرين. وقد كان شعاره على مرّ السنين: «أنا أو الآخر»!