حسن السبع

عالَم واحد .. رموز متعـددة

لا يرغب أحد في أن «تُمسخَ» شخصيته فيصبح شبيها بـ (توماس جرِنْد) الشخصية التي صاغ منها شارل ديكنز قصته (أوقات عصيبة)، فقد كان (جرِنْد) منطقيًا إلى درجة التبلّد. كان داعية نظام تعليمي نفعي صارم، وأسلوب تربوي يسحق الخيالَ لصالح الوقائع الملموسة، وكانت مهمته كمدرس للأطفال وَأْدَ الحلم، ومحاربة المجاز والرمز، وطرده من رؤوسهم.

لا يرغب أحد في أن يفكر بتلك الطريقة مهما بلغت واقعيته. إذ لا بد من تحقيق شكل من أشكال التوازن بين المادي والروحي، وللرمز دوره في هذا الجانب، وله سحره وجاذبيته التي لا تقاوم، هو ذلك اللا مرئي الذي يملأ الفراغ بين الإشارة والمشار إليه، ويستمد قوته وبقاءه من تعدّد معانيه. يتجلى الرمز واضحًا في التقاليد والممارسات الاحتفالية، وفي سلسلة طويلة من الممارسات والإشارات المتعارف عليها والتي تمنح الوجود البشري معناه، و»تلطّف» أجواء الحياة، حتى لا تغدو يبابًا أو سرابًا.  يشير الرمز، وبطريقة موحية، إلى العلاقة الخفية المتعارف عليها ضمنيًا بين المبنى والمعنى. فهو، إذًا، ذلك العمق السحري المتواري خلف المظاهر والممارسات.

سيبقى العالم حافلًا بالرموز رغم غلبة الجانب النفعي في حياة البشر، فهو محاولة دائمة للبحث عن معنى. والإنسان، كما يُقال، «محكوم بالمعنى»، والحياة بدون معنى حياة عبثية لا تحتمل. أي أنها لا تستحق أن تُعاش. وذلك هو سر ديمومة الرمز، ومصدر قوته، وقدرته على التغلغل في حياة البشر.سيبقى العالم حافلًا بالرموز رغم غلبة الجانب النفعي في حياة البشر، فهو محاولة دائمة للبحث عن معنى. والإنسان، كما يقال، «محكوم بالمعنى»، والحياة بدون معنى حياة عبثية لا تحتمل. أي أنها لا تستحق أن تُعاش. وذلك هو سر ديمومة الرمز، ومصدر قوته، وقدرته على التغلغل في حياة البشر.يرى بعضهم أن ما يميّز المجتمع الصناعي الحديث عن المجتمع البدائي هو أن هذا الأخير مجتمع رمزي، أما المجتمع الصناعي فهو مجتمع تقني عقلاني موضوعي وغير ذاتي. مجتمع قائم على عقد اجتماعي، ويديره مجموعة من التكنوقراط. لكن، وبخلاف تلك القناعة، فإن الرمز لم يختفِ من حياة تلك المجتمعات الحديثة، ذات النظم الإدارية المعاصرة، والتي تعيش ربيع التقنية الحديثة، وتعتمد العقلانية والمنطق العلمي في تسيير حياتها. لم تستطع تلك المجتمعات التخلص من الممارسات والإشارات الرمزية، أو من مرجعيات تلك الإشارات التي لا علاقة لها بالمنطق العلمي أو الموضوعي. من ذلك، على سبيل المثال، تلك المراسم التي نشاهدها عند استقبال وتوديع رؤساء الدول، أو تلك التي نشاهدها في احتفالات التخرج، وما يرتديه الخريجون من أزياء خاصة بتلك المناسبة، وفي الاحتفالات الفلكلورية، والممارسات المصاحبة للاحتفالات الوطنية، وكثير من المظاهر والممارسات التي لا تخضع إلا لمنطق الرمز وحده. وهو منطق يتلمّس المعنى عبر إشارات وطرق بعيدة عن التفكير الموضوعي، وعبر ممارسات لا تضع في الاعتبار مسألة الجدوى أو المنفعة، أو حساب الربح والخسارة. فالرمز أشبه بالحقيقة الفنية التي لا تناقش وفقًا لمعايير منطقية. ولا فرق في تقبّل تلك الممارسات والمظاهر بين سكان غابة أمازونية، وسكان مدينة عصرية متطورة. إن إنسان المجتمع الصناعي، حسبما يراه علماء الأنثربولوجيا، يتجاذبه بُعدان أحدهما مادي واقعي، والآخر رمزي لا يخضع لمنطق البُعد الأول. وفي هذا السياق يمكن اقتباس البير كامو الذي يقول: «من اليسير دائمًا أن يكون المرء منطقيًا؛ ولكن من المحال تقريبًا أن يظل منطقيًا حتى النهاية»! وأينما اتجهتَ فثمة شبكة من الرموز. لذلك، أضافوا إلى عبارة إن الإنسان «حيوان عاقل» القولَ بأنه «حيوان رامز».