د. فالح العجمي

إنا للشارع.. وإنا إليـه راجعون

عندما هتفت مئات الآلاف من الحناجر في ميدان التحرير بالقاهرة بسقوط نظام مبارك، حاولت القوى المهيمنة آنذاك تهدئة الشارع، وأن يترك الشباب الميدان من أجل تحقيق مطالبهم في هدوء. رفض الثوار إنقاص وتيرة الثورة والحراك الشعبي، وفهم المنظمون أن عناصر النظام الأمنية كانوا يريدون الاستفراد ببعض جماعات الشباب واعتقالهم بعد انفضاض الجموع. لكن أحد عتاولة النظام قال مقولته الشهيرة: (محدش يقدر يسرق ميدان التحرير أو يقفله!.. إذا ما عجبكموش الحل، والقرارات التالية لانفضاض الجموع، بإمكانكم أن تعودوا مرة أخرى إلى الميدان). لكن فكرة موضوع هذه المقالة مجازية أكثر منها حسية، كما توحي مناوشات أطراف الثورة المصرية. فالتسليم القدري لما هو خارج روح الجماعة، وبعيدًا عن إطار رغباتها، لا يؤدي إلى خير أبدًا. فالانتهازيون يبحثون دائمًا عن استغلال الجماعات ذات المرجعية الضعيفة، أو الضبابية؛ إذ تؤول أهداف أي منها ومصالحها باتجاه يخدم أغراض الانتهازي نفسه. نلتفت يمينًا وشمالًا، فلا نجد الشارع إلا مفعولًا به، ويتعرّض لأسوأ أنواع الابتزاز، دون أن تعبر عناصره الفعلية عما تريده أغلبية الشارع، وعلى وجه الخصوص عناصره الضعيفة. يتم ذلك على المستوى العالمي، وكذلك على المستويَين الإقليمي والمحلي، وأطر العمل الضيقة، بل وفي بعض الأحيان على مستوى الأسرة والأفراد المحيطين بما يمكن أن يسمّى شارعًا مجازًا (الضمير الداخلي)، وصوت الاحتجاج على ما يقع للإنسان من الظلم.نلتفت يمينًا وشمالًا، فلا نجد الشارع إلا مفعولًا به، ويتعرّض لأسوأ أنواع الابتزاز، دون أن تعبر عناصره الفعلية عما تريده أغلبية الشارع، وعلى وجه الخصوص عناصره الضعيفة. يتم ذلك على المستوى العالمي، وكذلك على المستويَين الإقليمي والمحلي، وأطر العمل الضيقة، بل وفي بعض الأحيان على مستوى الأسرة والأفراد المحيطين بما يمكن أن يسمّى شارعًا مجازًا (الضمير الداخلي)، وصوت الاحتجاج على ما يقع للإنسان من الظلم. هل وجدتم على المستوى العالمي أسوأ استغلالًا من ادعاء تبعية الشارع السوري لنظام يقتل شعبه جماعات وأفرادًا، بل أكثر ظلمًا من أن يُسمى أصلًا نظامًا أو تسمى مؤسساته دولة؟ مع ذلك لا ترعوي دول كبرى مثل روسيا والصين عن الصراخ بأصوات عالية ضد التدخل الخارجي في شؤون سوريا التي تفترض مثل هذه التدخلات أنها تتعامل مع الشارع السوري بكل احترام، وتلبّي رغبات الضمير الشعبي. ولا يعكر صفو تلك المحاولات البناءة من النظام إلا التدخلات الخارجية ـ من وجهة نظر النظام وأبواق الشيوعية القديمة ـ التي قد تحول بين القاتل وإبادة ذلك الشارع. بل إن دولًا غربية كبرى أيضًا تتخاذل بقولها: سيتدخل المجتمع الدولي لا محالة إن كرر النظام مجازره التي ارتكبها في بعض مدن البلاد وريفها. عجبًا لهذا المنطق، ولمؤسسات المجتمع الدولي التي يفترض أن مبرر وجودها الوحيد هو حماية الشعوب وحياة الضعفاء من الطغاة المتجبرين، والوقوف إزاء الصراعات غير المتكافئة القوة. وهل عثرتم على نماذج محلية لفرض رؤية خاصة على شريحة أو جمهور يمثل جزءًا من الشارع؟ فتشوا في بعض الأندية الرياضية، وستجدون تعسفًا لرغبة ذلك الشارع في الخلاص من أصحاب الابتزاز والسيطرة الطويلة على إدارات بعض الأندية، دون تحقيق ما يرضي تلك الجماهير، أو يبرر بقاءهم في مقاعد القيادة. فهل لجأت تلك الجماهير إلى الاحتجاج ضد اختطاف رغباتهم وتحويل مسار الأهداف التي كانوا يرغبون في تحقيقها، أو على أقل تقدير تجربة طرق أخرى ومجموعات أخرى، لعلها تغيّر في الوضع شيئًا، أو تقنع الشارع بأن طموحاتهم تقبع في طريق مسدود. سأعاود طرح استراتيجية ذلك العسكري العتيد الذي يذكّر الغلابى بأنه لا توجد لديهم ضمانة حقيقية إلا قوة اجتماعهم، وإيمانهم بتلك القوة قبل أي شيء. فهل نحن إزاء جدلية تطوح بإحدى فلسفتين قاومتا السقوط قرونًا من الزمان؟ إحداهما «حرية الإرادة»، التي تناولها بالتنظير والتحليل كثير من الفلاسفة الكلاسيكيين، وقرّروا بأنه لا يمكن تحقق العدالة دون توافر حرية الإرادة الإنسانية ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، وأفرد لها شوبنهاور أطروحات عديدة. وقد حدث الانتقال من علم اللاهوت إلى الفلسفة في الثقافة الإسلامية بداية مع الكندي وهو انتقال أعطى الأولوية المنهجية والأسبقية الابستمولوجية للعقل على النقل. أما الأخرى فهي «إرادة القوة»، التي قدّم بعض الفلاسفة شذرات في مكوناتها، وتناول بعض علماء الاجتماع والسياسة أمر تحليلها، وتقديم بعض التطبيقات العملية لأدوارها في الحياة الاجتماعية أو السياسية. لكن نيتشه هو من أحاطها برعايته، ونفخ فيها ـ وهو يائس من جدواها في عصره ـ عناصر حياة جديدة. فهل أيقظ البوعزيزي وشباب التحرير رؤى ذلك الفيلسوف الشرس؟ أم أن دورات الشارع العربي قد تحوّلت من الاستسلام للموت إلى طلب الحياة؟ هذا ما سيجيب عنه الشارع الذي نستصرخ به!