د. إحسان علي بوحليقة

حارات متعادية

أصبح الحديث عن "تويتر" مكروراً، لكن يبدو أن هناك من تداخل عليه العالم الافتراضي بالواقع المعاش. هناك من يشن حملات وينظم جهودا وينشر الأخبار .. ويرش معلومات وأحاسيس، كل ذلك على تويتر، بل وهناك من يدافع وآخر يترافع أمام حشود تويتر. كل هذا الترقب والضغط يزيده احتقاناً ما يسمى تجاوزاً البيض، وفي لغة تويتر "البيض" كناية عن أناس ملثمين ينشطون أحياناً ويدخلون في سبات أحايين، يبدو أن بعضهم مبرمج لأداء وظيفة "الرعاع" يدخلون الساحة فيشوشون المشهد.المقلق في حصتنا من العالم الافتراضي هو الحنق لدرجة يتملك شعور بأن هناك من يأتي موتوراً منفوخ الأوداج يريد أن ينثر على صفحات تويتر ما اختزنه ثم يخرج لا يأبه أن يُسمع أو لا، وكأن ما لديه إعلان مدفوع! وتأتي بعد ذلك عينةٌ أخرى من البيض يمكن تسميته "البيض الاتهامي" يُصَنف كل من يُداخل، خصوصاً من لا يتفق مع توجهه ابتداء، وهو يبحث عن "موقف" ليحاكمه وليس رأياً ليناقشه؛ فالرأي عند هؤلاء من أنواع التبرير والفذلكة. المقلق في حصتنا من العالم الافتراضي هو الحنق لدرجة يتملك شعور بأن هناك من يأتي موتوراً منفوخ الأوداج يريد أن ينثر على صفحات تويتر ما اختزنه ثم يخرج لا يأبه أن يُسمع أو لا، وكأن ما لديه إعلان مدفوع!وفي المقابل تجد ضمن كل هذا الصخب أناسا بعيدين عن كل هذا.. اختطوا خطاً ليغردوا بمحاذاته. هؤلاء ـ في ظني ـ مرتكزات تويتر، تغريداتهم لا تخلو من فائدة باعتبار أنها فنية إجمالاً لا تزاحم في القضايا العقائدية أو الجهادية أو السياسة العليا والشائعات المسيسة، وبالتالي ليسوا تحت ضغوط عرض موقف أو رأي من القضايا الملتهبة! ممن أتابعهم شاب اختار منهجاً مفيداً، يهديك في تغريداته أخبارا ودراسات وأبحاثا منتقاة بعناية فائقة عن التقنية، وآخر يختار مقالات من أفضل الدوريات ويقدم روابطها عبر تغريداته، وثالث ينتقي لك حكماً مختارة، وهناك رفاق الصباح تتبادل معهم التحية والكلمات الرقيقة لتبدأ نهارك بتفاؤل مع بعض التناول لشئون ذلك اليوم البارزة. بالنسبة لي أمثال هؤلاء هم من يجسد مزايا تويتر الأساسية. أقارن بينهم وبين "البيض" المتدحرج لينشر الضوضاء ويثير الغبار وليشوش على أي فكرة لا تروق له، وبين مَن يلج لتويتر ليُحدث الناس من علٍ فيصحح لهذا، وقد ينهر ذاك ويشتم ويتهم ذياك، فينتهي به الأمر أن يحجبه المغردون المتأذون، وبذلك نحجب بعضنا بعضاً ونتمترس ونعادي بعضا على الهوية الفكرية والعنصرية والطائفية والمزاجية وعلى القضايا والآراء.. أقول : حتى تويتر جعلناه حارات متعادية!