خالد الشريدة

الشوارع تنتــج الفوضى

إسقاطات الربيع العربي من السلبية بما لا يدع مجالا للشك في أنها رمية من غير رام، فلم يكن هناك تخطيط منهجي لحدوث التغيير أو التحرّك بصورة فكرية متوازنة ومبدعة وإنما الأمر تمّ من قبيل المصادفة البحتة، ففي تونس أحرق شاب نفسه بصورةٍ فردية أفضت بسوء المعالجة الى نهاية النظام عبر سلسلة من الانتفاضات، وفي مصر خرج بعض الشباب الى الشارع لا يطمحون الى أكثر من التعبير عن الحاجة الى العدالة الاجتماعية وقاد سوء المعالجة الى اكتظاظ ميدان التحرير منذ ذلك اليوم وحتى اللحظة الراهنة، وفي ليبيا منع محامون من اجتماع لهم في بنغازي انتهى بالقذافي ينازع الروح في مجرى صرف صحي.

والقاسم المشترك في جميع تلك الحالات أنها بدأت بصورة ساذجة وقادت البلدان الى حالات من الفوضى وعدم الاستقرار دون أن يحصل أحد على أدنى حدود الطموح الديمقراطي الذي يتناسب مع حجم التخريب والدمار الذي لحق ببنية الدول وهياكلها السياسية والاقتصادية، ولكن في اعتقادي أن الأسوأ من ذلك أن يعمل البعض في الدول المستقرة الى محاكاة النموذج العربي السابق، فنتيجته لم تكن إيجابية على الإطلاق، والواقع هكذا استعيد مجريات التاريخ الجاهلي لمقايسة ذلك مع الحالة العربية، حيث نجد أن حرب البسوس التي استمرت لأربعين سنة مات من مات فيها بسبب ناقة لامرأة، وبعد كل تلك السنوات تم اكتشاف أن السبب هو سوء فهم.

لا أريد أن أبدو متحاملًا على الثورات العربية، ولكن ما يعنيني هو ألا تنتقل عدوى السذاجة الثورية والانتفاخ السياسي الواهم الى البلدان المستقرة، لأن المحاكاة تخرج بسياق العفوية الى سياق الترصد والتدبّر والتخطيط المنهجي لتخريب أمن تلك الدول وتهديد لحمتها الوطنيةلا أريد أن أبدو متحاملًا على الثورات العربية، ولكن ما يعنيني هو ألا تنتقل عدوى السذاجة الثورية والانتفاخ السياسي الواهم الى البلدان المستقرة، لأن المحاكاة تخرج بسياق العفوية الى سياق الترصد والتدبّر والتخطيط المنهجي لتخريب أمن تلك الدول وتهديد لحمتها الوطنية، وينبغي أن نتخلص من وهم جوهري وهو أن الشارع لا يصنع التغيير وإنما ينتج الفوضى، فالتغيير وتحقيق الأصلح إنما يأتي أولًا وأخيرًا بمقاربات عميقة بين الكيانات الوطنية والسلطة السياسية من خلال الحوار والعمل المؤسسي الذي تتداعى إليه النخب الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية، أما في حال السماح للرعاع والغوغاء بالعبث بالشارع تحت شعارات حرية التعبير وحقوق الإنسان فذلك أصبح للاستهلاك السياسي الذي يخدم أهدافًا وأغراضًا خبيثة لا تتناغم مع مبادئ اللحمة الوطنية.هناك كثير من المؤسسات التي ينبغي اللجوء اليها للتعبير الحر والنزيه الذي يخلو من الغرض وخدمة مخططات الأعداء، ولا يصلح الشارع للتعبير عنها، فهو واقعيًا مشروع مسرح للفوضى واستغلال الجماهير في التخريب ونقل صراعات الآخرين وتقليدها ومحاكاتها، وطالما كانت أبواب المؤسسات مفتوحة فإنها تغلق أبواب الشارع، ومَن لا يعي أو لا يرغب في إدراك ذلك فإنه تلقائيًا يصبح مشروع تخريب ومهدّد للحمة الوطنية التي وضعها النظام في أولوياته لتحقيق الاستقرار وأمن المجتمع والوطن، ومخالفة ذلك توجب العقوبة التي تليق بتهديد الاستقرار الوطني، ولذلك من الضروري أن يبقى الشارع مكانًا فقط لعبور المشاة والسيارات بأمن وأمان وليس مكانًا للفوضى.