غُونتر غراس ينعش ذاكرة أوربا
بعد قصيدته «ما ينبغي أن يُقال» تابع الشاعر الألماني الحائز على نوبل للآداب غُونتر غراس شغبه «المزعج»، فكتب قصيدةً أخرى بعنوان (عار أوربا). القصيدة هجاء لسياسة أوربا تجاه اليونان في أزمتها الاقتصادية. بوح شاعري حاول غُونتر غراس من خلاله أن ينعش ذاكرة السماسرة والساسة ليتذكروا أن اليونان هي روح أوروبا، ونبع ذلك الازدهار الثقافي والمادي الذي يعيشه الغرب، وأن التخلي عنها نكرانٌ للجميل، وتصرّفٌ غير أخلاقي: «بلا روحٍ سوف تضمرين.. من دون البلد الذي من روحه، أنتِ يا أوربا، ابْتُكِرْتِ»!هذا منطق شاعر وليس منطق السوق، حيث كل شيء هناك برسم البيع. وعندما يتحدث غراس عن «عار أوربا» فإنه يشير إلى جشعِ رأس المال، وإلى التواءِ السياسة التي تُرجّح كفَّةَ المصالح على المبادئ، فتزدوج المعايير، وتختلف المكاييل.حين يتنكر الساسة والسماسرة للماضي، يتناسون، كذلك، أن ثقافة الغرب الاغريقية والرومانية والمسيحية، نَبَتَتْ جذورها الأولى في تربة هذا الشرق: وادي النيل، وما بين النهرين، ونَهَلَتْ من معين الثقافة الآسيوية. لكنَّ العالم بحاجة، دائما، إلى من ينعش ذاكرته!هو منطق «بروميثيوس» رمز الشعر، وليس منطق «كروسوس» رمز الثروة. وهو منطق مثقف مستقل، وليس منطق القطيع. ووفقا لرأي روجيه جارودي فإن «المفكر الاستفزازي لا يشترك مع ذوي الفكر أحادي الجانب». ذلك المنطق الإنساني هو ما يميز بين أوربا الروح وأوربا المادة. وهو فرز لا بد منه، لمن ينظر إلى الغرب من زاوية واحدة، فتبدو الصورة ناقصة. ذلك أنه من غير الصائب اختصار الغرب ومكوناته الثقافية بصورة مُلتقَطة من زاوية واحدة، هي زاوية ماضيه الاستعماري، وسياساته الخارجية الراهنة. هنالك زوايا أخرى إيجابية لذلك الغرب تتمثل في العلوم والآداب والفنون والمخترعات وأنماط الحكم والإدارة، يضاف إلى ذلك تلك الأصوات الحية التي ترتفع من حين إلى آخر لمناصرة قضايا الإنسان العادلة في كل مكان، وصوت غُونتر غراس واحد منها. عندما يهجو غُونتر غراس الغربَ فهو يمارس نقدا ذاتيا، فيفصح عمَّا ينبغي أن يُقال. وقد سبقه إلى ذلك شارل بودلير، بقصائده «أزهار الشر». كذلك مارس (اشبنغلر) نقدا للحضارة الغربية في كتابه «تدهور الحضارة الغربية»، وفعل الشيء نفسه (برنار ـ هنري ليفي) في كتابه «الأيدلوجية الفرنسية»، أما «فاوست غُوته» الذي أبرم عقدا مع الشيطان فهو نقد لمادية الحضارة الغربية. والأمثلة على ذلك النقد الذاتي كثيرة. أنكر الشاعر البريطاني كيبلنغ المولود في الهند أوجه الالتقاء والتقارب بين الشرق والغرب، فقال عبارته الشهيرة: «الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا»! ربما كانت ذاكرته آنذاك مثقلة بأطماع السماسرة وألاعيب الساسة. وربما كان يتحدث عن تلك الخصوصية الثقافية التي تتخذ شماعة لإبقاء المتخلف متخلفا. وقد ابتهج سدنة الأيديولوجيات، وصنّاع الكراهية بتلك العبارة، لكن للأدباء والفنانين والمثقفين التنويريين رأيا آخر؛ فأوجه الالتقاء والتقارب بين الثقافات كثيرة، وكلما ازداد الوعي تقلَّصتْ المسافات، وتوطدت الصِّلات، لكن تبقى الأواصر الفكرية والأدبية والفنية هي الأقوى. ويمكن أن نتذكر، في هذا السياق، كيف تأثر دانتي بأبي العلاء المعري، وغُوته بحافظ الفارسي، وكيف فُتِنَ هرمان هسّه وأندريه مالرو بالثقافة الشرقية. وأعجب جالان بالليالي العربية وترجمها، واشتهر فيتزجرالد بعد ترجمته لرباعيات الخيام. حين يتنكر الساسة والسماسرة للماضي، يتناسون، كذلك، أن ثقافة الغرب الإغريقية والرومانية والمسيحية، نَبَتَتْ جذورها الأولى في تربة هذا الشرق: وادي النيل، وما بين النهرين، ونَهَلَتْ من معين الثقافة الآسيوية. لكنَّ العالم بحاجة، دائما، إلى من ينعش ذاكرته!