مت يا حمـار «حتى يجيك» الربيـع!
أنا أتكلم فقط عن الواقع، الذي لا أظن أحدًا يحمده، عندما تحصل الحوادث؛ وهي أكثر من أن تتجاهلها المبادرات التنظيمية للجهات المعنية على مستوى البلاد بكاملها، أو على مستوى المناطق أو المؤسسات ذات المسؤولية المحدودة في نطاقها العملي أو السكني.. فالعملية صحيح أنها مزرية حاليًا، لكن العناية بتنظيم الحالة فقط، دون إصلاحها، ليست أمرًا مستحيلًا. فإن كانت المؤسسات المركزية (كالمرور وأمن الطرقات وغيرها) تنوء بأعبائها المتراكمة من مصادر متعددة؛ فإن إيجاد النموذج الراغب والقادر على تبنّي التنظيم ليس صعبًا على الإطلاق.. فأدعو هنا أي منطقة (أو حتى محافظة لديها سعة في القرار) أن تفكر في خلق هذا النموذج، الذي سيكون في حالة نجاحه قدوة لمحافظات ومناطق أخرى، بل وربما تبنته المؤسسات المركزية. ننظر فيما يجري حاليًا عند حصول الحوادث: تتعالى أصوات الناس في مشهد يُنذر بالخصومة، وتنحدر النغمة لدى آخرين من المتطوّعين لإصلاح ذات البين، والدعوة إلى التسامح، بترديد عبارات مأثورة، ومحفورة في الذاكرة الشعبية، دونما مراعاة للحقوق، والأضرار التي يتعرّض لها بعض الأطراف. كما تتوالى عبارات الهجوم واتهام متبادل بالأخطاء وعدم الاهتمام أو الانتباه، مع تبريرات ذاتية لأولوية السير وأنظمة المرور، وحقوق الجميع في مرور آمن.. أما الأسوأ في كل هذه السيناريوهات، فهي فئة الشباب المستهتر الذي يعتقد أنه طالما ملك مِقود السيارة، فله الحق في فعل ما يشاء في الطريق. وفئة أخرى من قليلي الإحساس، الذين يعتقدون أنهم بمجرد كونهم قد أمّنوا مركباتهم ضد الغير، فلهم الحق في عدم المبالاة، وفي ترديد عبارات توحي بأن التأمين قد ألغى مسؤوليتهم عن المشكلة.
نحن أمام شخصيةٍ براجماتية، تحاصر المشكلات مع ظهور بوادر تفشّيها؛ وهذه الشخصية عندما تكون قيادية فهي المجدية في مواجهة الأزمات والحروب المصيرية.. وقد حفل التاريخ ببعض أمثلة هذا النموذج من أمثال تشرشل وغاندي.وهي مشكلة معقدة لا تنتهي بالمال، بل مهلكة للأعصاب والوقت، ومسببة لأزمات سير ونشوء مركبات أخلاق مستعصية. فهل تكفي هذه السيناريوهات الموجودة حاليًا، مع ما يتبعها من إنشاء شركة نجم أو غيرها لتنظيم أمر المركبات المؤمنة، وترك غير المؤمنة في رقاب المرور؟ لا، الوضع لا يتحمّل إبقاء هذه السيناريوهات كما هي.. فمعلوم أن شركة نجم لم تعُد قادرة على تلبية طلبات المتابعة في أنحاء المدن المختلفة، التي أصبح الناس يتصادمون فيها مثلما يقودون السيارات. ولم تعُد دوريات المرور قادرة على الإحاطة بالبقية، خاصة في أوقات الذروة والطرق المكتظة والشوارع المليئة بكل أنواع المعوّقات. هنا يأتي اقتراحي الذي أشرت إليه آنفًا، بأن تسعى المناطق، أو القادرة منها على المبادرة بدراسات عملية غير تقليدية لتلك المعضلة، والخروج بحلول خاصة ومبدعة، ربما تكون الأنموذج للبقية كما أشرنا.. فالحلول المبتكرة تحتاج إلى عقول مبادرة وإلى جرأة ورغبة في الخروج من الشرنقة. فهلا قامت إمارة المنطقة الشرقية، أو أي من محافظاتها بمثل تلك التجربة، التي لن تكون محصورة في حالة نجاحها في مثل تلك الجوانب، بل ربما توسّعت فيها الإمارة أو المؤسسات المركزية في أمور شائكة أخرى.. والمعروف أن الخروج من المأزق لا يكون إلا بمبادرات شجاعة وفريدة.. فالمرء الجاد والمخطط الاستراتيجي يكون عند مواجهة المشكلة المزمنة أمام خيارين: إما اختيار طريق جريء وعلاج جذري؛ يتناول المشكلة من أصلها، ويوجِد حلولًا مبتكرة لها، من واقع استقراء المستقبل، وتتبع تجارب الآخرين في الحالات المماثلة في داخل البلاد أو خارجها، وإما اختيار الطريق اللين السهل المسالم بعدم اتخاذ قرارات جريئة، والاكتفاء بمداراة الوضع وتقبّل جوانبه السلبية، على أمل توافر الحلول من تلقاء نفسها. وفي الحالة الأولى نحن أمام شخصية براجماتية، تحاصر المشكلات مع ظهور بوادر تفشّيها؛ وهذه الشخصية عندما تكون قيادية هي المجدية في مواجهة الأزمات والحروب المصيرية. وقد حفل التاريخ ببعض أمثلة هذا النموذج من أمثال تشرشل وغاندي.أما عند التراخي في انتظار تفاقم المشكلات وتضايق الناس مما يجري، أو لجوئهم إلى حلول قد تكون غير حميدة، أو انتظار الفرج فهو حل اليائسين، فلا أظن الأمثلة تعيي أحدًا؛ فكل يعرف أحدًا منهم في جواره. وهم يسيرون على رأي مقولة: مت يا حمار «حتى يجيك» الربيع!