بين التميّز وبوتقـة الضـروري
ففي المنحى الأول المرتبط بالتميّز نجد هوسًا في كثير من مناحي حياتنا بالتعلق بأسبابه.. فهل هي الثقافة العربية العتيدة التي ورثناها عن أسلافنا بدءًا من أشعار الفخر بها؟ مما يردده العرب من مقولات عمرو بن كلثوم: وأنا الشاربون الماء صفوًا ويشرب غيرنا كدرًا وطينًا أو مقولة شاعرهم: لنا الصدر دون العالمين أو القبر! وقد برز هذا التيار لدينا في ثلاثة مجالات رئيسة: الأول تباري المؤسسات العامة (والخاصة أحيانًا) في إبراز مظاهر تفوق ربما تكون وهمية أو شكلية، على أنها ركائز تميّز عن المؤسسات الأخرى المنافسة، وصعود في سلم التقدّم في مجال عمل المؤسسة. ويصحب مثل هذه الفذلكات رغبة قوية في الحصول على مصادر دعم مادية أو معنوية، وربما تكون المصالح شخصية للفريق الذي يبرز قدراته الفعلية، هي الهدف من ترويج مثل تلك الصور، والعمل على رفع مصداقيتها لدى الناس.
السؤال الأهم هو أين كان هؤلاء المنكرون لهذه الشطحة أو اختلال الأولويات عندما كان التركيز على نماذج سيئة من التاريخ العربي – الإسلامي أو غيره؟ لماذا لم يعترضوا على سير بعض القتلة والمجرمين؟ لماذا لم يقولوا: نخشى أن يتطبّع الجيل بتلك النوازع الإجرامية، كما يخافون الآن أن يكون أكبر همّ هذا الجيل هو كرة القدم؟الثاني: اهتمام الأفراد بما يتميّزون به عن أقرانهم، سواء تعلق الأمر بملبسهم، أو مسكنهم، أو مركبهم، وربما في حالات لم تعُد قليلة في تعديلاتٍ تجميلية (للنساء على وجه الخصوص) وتكوين منتديات أو وسائل إعلامية خاصة (لعددٍ من رجال الأعمال ووجوه المجتمع). وفي كل ذلك لم يعُد التمتع بما يرغب فيه المرء كافيًا؛ بل لا بد أن يكون مختلفًا عن كل ما لدى الآخرين. الثالث: انتشار تلك الصرعة في الإعلان التجاري، الذي أصبح يبرز صفة التميّز في مقدّمة مغريات الإعلان، ويجعل السلعة جالبة لذلك الشعور عند مَن يبحثون عنه من قرّاء أو مستمعي أو مشاهدي الإعلان. وهو دون شك من نتائج اهتمام الأفراد بتلك الوسائل، وترديدهم لها سواء كان في رقم هاتف أو لوحة سيارة أو تصميم منزل، وغير ذلك من التميّزات. أما المنحى الآخر، فقد انساق إليه آخرون لا يرون أهمية لأي شيء غير الضروريات. فبالنسبة إلى هؤلاء ليست هناك أي قيمة للرياضة، وما يصرف عليها من أموال؛ لأنها لا تؤدي إلا إلى تسلية، ويستطيع الناس أن يدفعوا من جيوبهم ليتسلوا إن أرادوا. أما أن تُدفع أموال عامة لأنديةٍ ومدربين وملاعب ومسابقات ومؤسسات عامة تقوم عليها، فهو ترف ينبغي ألا نلتفت إليه، إلا بعد أن ننتهي من جميع الأمور الضرورية. وربما يرى بعضهم ألا نلتفت إليه مطلقًا. وقد استاء بعض أصحاب هذا التيار من الاهتمام، الذي أولته بعض كتب اللغة الانجليزية في التعليم العام لأحد نجوم كرة القدم السعودية، وهو اللاعب المعتزل ماجد عبدالله . ويدّعي بعضهم أن العناية بإنجازات هذا اللاعب، والبطولات التي أسهم في تحقيقها، كان الأولى أن تولى للعلماء الذين حققوا تقدّمًا في بحوثهم العلمية، وخدموا البشرية بما توصّلوا إليه من اكتشافات. لكن السؤال المهم في هذا السياق: هل لا بد أن يكون اهتمام بعض الكتب، خاصة أنه ربما كان درسًا واحدًا، بلاعب متميّز أحبه كثير من أبناء هذا البلد (سواء كانوا من مشجّعي ناديه، أو من محبي المنتخب السعودي) على حساب تقديم دروس أخرى عن العلماء والمبدعين في المجالات المختلفة؟ والسؤال الأهم هو أين كان هؤلاء المنكرون لهذه الشطحة أو اختلال الأولويات عندما كان التركيز على نماذج سيئة من التاريخ العربي – الإسلامي أو غيره؟ لماذا لم يعترضوا على سير بعض القتلة والمجرمين؟ لماذا لم يقولوا: نخشى أن يتطبّع الجيل بتلك النوازع الإجرامية، كما يخافون الآن بأن يكون أكبر همّ هذا الجيل هو كرة القدم؟ ألا يستحق من أفنوا أعمارهم في إسعاد البشر أن يُعترف بفضلهم وقيمتهم، سواء كانوا علماء أو لاعبين أو فنانين؟ غريبة هذه التصوّرات؛ أننا إذا اهتممنا بفئة من هذه الفئات فسنكون قد أهملنا الفئات الأخرى. أين الاعتراف بما قدَّمه فنان العرب محمد عبده؟ مخجل أن تكرّمه المجتمعات الأخرى، بينما نحن نبتسم جذلًا عندما نرى ذلك الاعتراف به عند الآخرين.