بيني وبينك .. «ولحد يدري»
لكن ثقافتنا المحلية تمدُّنا بلازمةٍ أخرى، هي «لحد يدري»! وإن كانت هذه تشتهر بها منطقة نجد بالدرجة الأولى.. فبعض مَن يحدثونك بكثير من الوشوشات، التي ربما جاملتهم في إظهار أنك تستمع إليهم فيها، يفاجئونك بعد كل تلك الفضفضة بعبارة: «بس لا أحد يدري»! طيّب إذا كنت لا تريد أن يدري أحد، فلماذا أرهقت ذهني بتحمّل كل تلك الثرثرة التي كنت مضطرًا إلى توزيع كلمات تواجدي بين مقاطع الحكاية فيها؟ وربما سمعتها مرة أخرى من آخرين قال لهم العبارة نفسها. وهذا يعني أن هذه اللازمة لا تعني أن مضمون تلك الحكايات سرّ عن أحد، بل هي إظهار أن صاحبها يعرف أسرارًا لا يعرفها كثير من الناس.
ثقافتنا المحلية تمدُّنا بلازمةٍ أخرى، هي «لحد يدري»! وإن كانت هذه تشتهر بها منطقة نجد بالدرجة الأولى.. فبعض مَن يحدثونك بكثير من الوشوشات، التي ربما جاملتهم في إظهار أنك تستمع إليهم فيها، يفاجئونك بعد كل تلك الفضفضة بعبارة: «بس لا أحد يدري»! طيّب إذا كنت لا تريد أن يدري أحد، فلماذا أرهقت ذهني بتحمّل كل تلك الثرثرة؟!وبعض معارفي النجديين ينتمون، والأمر لله، لهـذه الفئة. بل إن أحدهم يعد كل أمر يخصّه، أو يخصّ أسرته، أو يخصّ الأمور السياسية، من الأمور السرية التي يردف بعدها هذه اللازمة. وربما كان بعضها عاديًا؛ يتعلق بالأمور الدراسية للأولاد، أو النواحي المالية المعتادة المتعلقة باقتنائه منزلًا، أو قيامه بسفر إلى بلدٍ معيّن في رحلةٍ سياحية، أو شراء سيارة، إلى غير ذلك من الأسرار، التي يعتبرها أغلب الناس أمورًا عادية تحدث لكل الناس. وهي – بالمناسبة – ليست متعلقة بحساباته أو دخله أو أمراض خاصة، أو إعاقات جسدية أو ذهنية لأولاده. كما أن كثيرًا من نساء تلك المنطقة ينظرن إلى كل ما يتعلق بهن شخصيًا، أو بأولادهن، وبناتهن على وجه الخصوص، من الأسرار العظيمة التي لا تتساهل إحداهن مع مَن يجرؤ على تسريب أي معلومةٍ تتعلق بتلك الأمور الخطيرة. وقد وصلت الأمور في هذا الشأن إلى أن عُدّت أسماء النساء من المحظورات المغلظة، والتي يُنظر إليها بوصفها جزءًا من الشرف والعرض، ذي الخصوصية الشديدة. وبعد أن هتكتها أنظمة الأحوال المدنية، وضرورة وجود الأسماء النسائية في الشهادات المدرسية والمستحقات المالية، وغير ذلك من القضايا، التي لا يريد التقليديون أن يتنازلوا فيها لمصلحة خصوصيتهم، اتجه النظر إلى صورة المرأة، لكي لا يتطابق شكلها مع اسمها فيدري الناس عن هويتها (على الأقل: لحد يدري أن هذا الشكل يتبع لذلك الاسم الطوطمي). فما الذي يخيف أولئك الناس من معرفة الآخرين بمعلومة هنا وهناك؟ إن كان عن شراء منزل، فكثير من الناس يشترون منازل، وإن كان عن سيارة أو ممتلكات أخرى، فهي كذلك. وإن كان عن نجاح الأولاد، فأغلب الأولاد ينجحون مثل أولئك الخصوصيين. بعضهم يردّد حديثًا رُوي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فيما معنـاه أن يستعين المرء على قضاء حوائجه بالكتمان. لكن ذلك لا يخصّ سوى أمور مستقبلية، قد يؤدي إفشاء المعلومات فيها إلى عدم تحققها، مثل الفرص التجارية التي ينتهزها المرء، ويبقي تفصيلاتها طي الكتمان، أو خطبة امرأة لا يريد أن يسبقه إليها أحد، إلى غير ذلك من القضايا المرتبطة بفترة سابقة لوقت الإعلان عنها، وليس الأمر متعلقًا بتلك الفوبيا الشديدة التي نتحدث عنها في هذا المجتمع. فهل الأمر متعلق بالخوف من الحسد، ثم أصبح الأمر سلوكًا يمارسه المرء حتى مع المقرّبين منه، والذين لا يتمنون له إلا الخير؟ وهل تحوّلت الرقابة على الكلام في تلك الدائرة الضيقة المتعلقة بأمور مستقبلية أو سرية في فترة محددة، إلى سلوك دائم يقيّد كلام المرء مطلقًا في كل ما يتعلق بأموره الخاصة؟ أعرف شخصًا إذا قابل أحدًا سأله عن كل دقائق أموره الخاصة، فإذا سأله ذلك الشخص عن شيء أقل خطورة وخصوصية، فإذا به ينزوي وجهه يمينًا وشمالًا، ويجيب بإجابات عائمة من مثل: تقدّر تقول.. هاه.. لا بس يعني. ثم ينقل الكلام: «لا .. إلا ما قلت لي آل فلان وش عندهم يوم يبيعون مزرعتهم وقت الرخص؟ قاتل الله المطففين وأصحاب العوج!».