محمد عبدالعزيز السماعيل

لا أحـد يخشى عقـوبات سـوق المـال

أسواق الأسهم من المكوّنات الاقتصادية الأساسية في العصر الحديث، وهي تعطي مؤشراتٍٍ أكثر دقة لحركة القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتسمح بتدوير سيولة في بيئةٍ استثماريةٍ ينبغي أن تتمتع بالنزاهة والشفافية بحيث ينمو رأس المال للمستثمرين دون أن تضيع حقوقهم، ولذلك ينبغي أن يكون أي نظام يضبطها صارمًا في تعاطيه مع المخالفات أو أي محاولات للعبث بسوقنا المالية على نحو ما سبق في العام 2006 حين انهارت السوق، وفقد كثيرون أموالهم دون مسوّغات موضوعية أو حماية لهم.

بعض المضاربين يستغلون ثغرات النظام وضعف الرقابة والجهل النسبي للمستثمرين والأمان من العقوبات أو الاستهتار بها، وذلك يُفسد البيئة الاستثمارية في السوق ويفقد الثقة فيها، وبالتالي التشويش على الدور الحيوي لهيئة السوق المالية بوصفها الجهة المنظمة والضامنة لسلامة الاستثمار في السوق.

ماذا تعني غرامة بهذا المستوى لشركة خالفت النظام؟ المبلغ لا يرقى لعقوبة، لذا لا أحد يخشى من عقوبات سوق المال السعودي، فهي بسيطة مقارنة مع المخالفات المرتكبة، بل إن تلك الغرامات ربما تعبّر عن إجراء يسير من نوع «نحن نتابع ونراقب»، وذلك غير ذي جدوى.في بعض الأحيان تصدر عن هيئة السوق المالية عقوبات على بعض الجهات لمخالفتها أنظمة الاستثمار في الأسهم والتداول، وفي تقديري أن تلك العقوبات روتينية وإجرائية أكثر منها عقابًا يضع حدًّا للعبث بموجودات السوق ويمنع غير الجهات المعاقبة من ارتكاب ذات المخالفات، فضلًا عن أن تلك العقوبات، وهي مخففة لدرجة لا ترقى لأن تكون عقوبة، لا تعزز الثقة في السوق أو تسهم في تنظيمه، ولو أن الشركات والمضاربين علموا وتيقّنوا جدية الهيئة في عدم العبث بنظام السوق من خلال فرض غرامات كبيرة وطردهم من التداول وإيقاف الشركات المتلاعبة عند أي مخالفة ثبت تعمُّدها والترتيب لها باستغلال أي ثغرةٍ أو التحايل على أي مادة أو بندٍ من نظام السوق، فحينها لن تحتاج الهيئة لأيّ عقوبات؛ لأن السوق سيعمل كالساعة لا يتأخر أو يتقدّم عن محدّدات النظام، إلا في حالة تقاضي الهيئة عن المخالفات أو تساهلها.مؤخرًا أصدرت الهيئة قرارًا بتعليق تداول اسهم إحدى الشركات وذلك لعدم إعلانها عن قوائمها المالية خلال المدة النظامية المحددة في قواعد التسجيل والإدراج، وفرضت الهيئة غرامة مالية تبلغ 50 ألف ريال على شركة أخرى لمخالفتها إحدى فقرات نظام السوق المالية وقواعد التسجيل والإدراج، وذلك جيد في سياقه العملي، ولكن السؤال.. ماذا تعني غرامة بهذا المستوى لشركة خالفت النظام؟ المبلغ لا يرقى لعقوبة، لذا لا أحد يخشى من عقوبات سوق المال السعودي، فهي بسيطة مقارنة مع المخالفات المرتكبة، بل إن تلك الغرامات ربما تعبّر عن إجراء يسير من نوع «نحن نتابع ونراقب»، وذلك غير ذي جدوى، فالغرامة لا بد أن تكون من عيار ثقيل يفرض احترام الجميع لنظام السوق، ويحذر الآخرون من الاقتراب من العبث بالنظام حتى تنجح الهيئة في وضع حدٍّ نهائي وحاسم لأي مخالفاتٍ أخرى محتملة، ودون ذلك ستفرض الهيئة مزيدًا من هذه «العقوبات» وكأنها تلوم وتعاتب وليست تحدّ من ارتكاب المخالفات.