حسن السبع

على طريقة حسني البورزان

«إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، علينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل»! تكاد تصبح هذه العبارة أشهر من قائلها، وقد استخدمها بعض الكتاب هازلين. لكنها ارتبطت بالفنان نهاد قلعي (حسني البورزان) في مسلسل (صح النوم). وهي عبارة تدعي الفطنةَ وبُعدَ النظر، وتؤكد على أن هنالك دائما صلات أو قواسم مشتركة بين الأحداث هنا وهناك.

إذن لماذا تبدو تلك العبارة شكلا من أشكال الادعاء؟ تبدو كذلك لأن حسني بيه نفسه لم يكن يعرف شيئا مما كان يدور حوله، ولو كان نبيها فطناً لما تعرض لمقالب وملاعيب غريمه غوار الطوشة. فوق ذلك، لم يقل لنا حسني بيه  ماذا كان يجري في البرازيل أو إيطاليا، ولم يفسر لنا (لماذا وكيف) تؤثر الأحداث هناك على الأحداث هنا. وبدون ذلك الإيضاح يصبح الرأي مجرد انطباع أو شكلا من أشكال التذاكي الذي تطالعنا به يوميا بعض الأقلام، ولأن تلك العبارة جزءٌ من نص في مسلسل كوميدي، فإن المشاهد لا ينتظر من السيد حسني أية تفاصيل أخرى عما يجري في إيطاليا أو البرازيل.

يقال إن الذين لا يتراجعون عن آرائهم يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الحقيقة! وعلى النقيض من أصحاب ذلك التوجه، يقول برتراند راسل: «لقد تغيرت آرائي بالتوافق مع تغيرات العالم»! لكن في مقابل تلك الشجاعة الأدبية، فإننا نادرا ما نسمع أن كاتبا تراجع عن رأي بعد أن ثبت تهافتهلكن الواقع أكثر كوميدية أحيانا. وقد تقرأ لبعض الكتبة فتحدث نفسك: «والله ما أدري ممّ أتعجب؟ من علمه بالتاريخ والسياسة أم من معرفته بفنون الكتابة»! نعم، تقرأ ذلك التذاكي فتتساءل: «هل يفقه هذا الرجل ما يقول؟ وهل هو مقتنع به؟» فإن كان مقتنعا بما يقول فتلك مصيبة، أي أنه غارق في الغفلة من رأسه، إن كان له رأس، إلى أخمص قدميه. وإن لم يكن مقتنعا فالمصيبة أدهى وأمرّ لأنها مصيبة في الأخلاق، واستهانة بعقل المتلقي.  اختلفوا حول قائل العبارة الشهيرة «أموت وفي نفسي شيء من حتى»! وسواء كان الفراء أم سيبويه هو قائل تلك العبارة، فقد نظر القائل إلى (حتى) من زاوية لغوية بحتة؛ نظر إلى استخداماتها اللغوية المتعددة، لكن، أليست (لماذا وكيف وأخواتهما) أولى بتلك العبارة من (حتى) في عصر يتعاظم فيه الاختلاف والتعصب، وتكثر فيه الأفكار والآراء التي يناقض بعضها بعضا؟ لقد فقد بعضهم الصلة بالأسئلة، ونام  هادئـا على وسادة محشوة بقش القناعات الجاهزة، والاستنتاجات المتهافتة، وهي حالة من الثبات لا علاج لها.يقال إن الذين لا يتراجعون عن آرائهم يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الحقيقة! وعلى النقيض من أصحاب ذلك التوجه، يقول برتراند راسل: «لقد تغيرت آرائي بالتوافق مع تغيرات العالم»! لكن في مقابل تلك الشجاعة الأدبية، فإننا نادرا ما نسمع أن كاتبا تراجع عن رأي بعد أن ثبت تهافته فقال: «عفا الله عما سلف»! وقد انتقد وليم بليك حالة الثبات تلك بقوله: «ذلك الذي لا يغير رأيه كالماء الراكد.. في عقله تتكون الزواحف»! ويمكنك أن ترى رأي العين تلك الزواحف العقلية التي تستوطن كثيرا من الرؤوس،  يمكنك أن تراها تسعى أمامك كل حين بين سطور الكتب والصحف أو على شاشات التلفزيون.   مرة أخرى، «إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، علينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل»! وعلى بعض كتاب المقال السياسي (خصوصا) أن يعرفوا وجه الشبه بينهم وبين شخصية حسني البورزان في مسلسل: صح النوم !!