د. فالح العجمي

الذيب والمهرج.. وثقافة المـاضي

يدور الجدل بين حين وآخر في مجال الرياضة، خاصة كرة القدم؛ فيما إذا كان النجوم الكبار (الأسطوريون تقريبًا: على مستوى العالم بيليه ومارادونا، وعلى المستوى المحلي ماجد عبدالله وفيصل الدخيل وغيرهم) يمثلون فترة ولّت. ويدّعي بعض المنظرين أن عصر الاحتراف لم يعُد قادرًا على إنتاج مثل أولئك النجوم، لأن الرياضيين بشكل عام أصبحوا يفكّرون في المال والعقود أكثر من تفكيرهم في الإبداع وإمتاع الجماهير.. لكن آخرين يردون عليهم بأن القضية ليست مرتبطة بأولئك النجوم، بل بتطور كرة القدم وخطط الدفاع في فرقها، ومنظومة العمل الجماعي، التي جعلت كثيرًا من الفرق تتحرّك بوصفها مجموعة واحدة إلى الأمام وإلى الخلف.ومثل تلك القضية تثار في مجال انتشار كثير من الأمراض غير المعروفة، التي تعدّدت أشكالها وأعراضها وتصنيف آثارها من جنون البقر إلى أنفلونزا الطيور إلى أنفلونزا الخنازير، إلى أنواع من السرطانات والحساسيات والمخاطر المهولة. فهل كل تلك الفيروسات أو الأمراض والمثيرات المختلفة لم تكن موجودة في حياة الإنسان من قبل؟ أم أن تطور العلوم لدى الإنسان ومعارفه وأدواته التكنولوجية الأكثر دقة هي التي جعلته يتمكّن من تشخيص تلك الأمراض وتحديد بعض الأسباب، التي يعتقد بكونها مؤثرات في نشوء مثل هذه المشكلات الصحية؟لم يعد الناس يقبلون أن يقول مسؤول أو واعظ: اتركوا هذه الأمور لتقدير الجهات المعنية، أو لاجتهاد فضيلتنا. أصبح الأفراد المغيّبون في الفترة التي ولّت (حين كانوا يفنجلون عيونهم لنجم رياضي مُبدع لا يعمل الآخرون أمامه أي شيء،تبادرت إلى ذهني مثل تلك المقارنات، وأنا أتأمل تصريحات بعض المسؤولين، الذين يحتقرون عقل القارئ (إذا كان التصريح في وسيلة مكتوبة)، أو السامع (إذا كانت إذاعية)، أو المشاهد (إذا كانت تليفزيونية).. فمنهم مَن يطلب إمهالًا للنتائج في أشياء بسيطة ومحددة لمُدد تصل إلى خمس أو عشر سنوات. وكأنه يعتقد أن المجتمع هو تلك الجماعات المحدودة الوعي، التي كانت قبل عقود من الزمان تقبل مثل هذه التبريرات العشوائية، والقائمة على التسويف وعلى مظنة أن الناس ينسون ما يُقال بعد أن يتجاوزوا سماعهم الأقوال، التي يعدّها بعضهم كلامًا في الهواء.. (وما فيه أرخص من الكلام! سواء مع العامة أو من الزوج لزوجته، كما تقول كثير من المقولات الشعبية: «قل لها كلمتين حلوين»! أو «سكّتها بهدية أو كلمة حلوة»!). وقد وعيت في زمن مضى مقولة من ينتظرون مسؤولًا جديدًا، فيحرصون على متابعة هيئته منذ قدومه؛ إن كان منكسًا العقال، فما عندك أحد! وإن كان يؤخره، ويسفط الشماغ، فهو ذيب! ومنهم مَن تتوقف عنده كل القدرات العقلية، فيعتقد أنها قد توقفت عند الآخرين، فيظهر بصورة المهرج، الذي لا يصدق قيامه بالدور على وجه الحقيقة إلا مَن يخلط بين الواقع والخيال. فذلك الشيخ ممن يسمون أنفسهم «الوسطية» يوجّه خطابه إلى أحد الليبراليين قائلًا: «والله لولانا لذبحكم المتطرفون، كما تُذبح الخراف»! متناسيًا دور السلطات في فرض هيبة النظام واحترام جميع مكوّنات المجتمع. كما غفل عن أن كثيرًا من فئات المجتمع لم تعد تصدق هرطقات أولئك الغوغائيين، الذين هم الوجه الآخر من عملة المتطرفين، ومصدر إمدادهم بالوقود اللفظي والمادي والبشري. وهناك شيخ إخواني يوزع التهم في لقاءاته وكتاباته يمينًا وشمالًا في الداخل والخارج بدءًا من عمر سليمان (مرشح الرئاسة في مصر) وضاحي خلفان (رئيس شرطة دبي) إلى الصحفيين والليبراليين والتغريبيين، وكل المخالفين لتوجّهاته السياسية المغلفة بذلك اللباس الديني، الذي يعتقد أن شكله المتدين يبقى كافيًا – كما كان في فترة مضت – لقبول الناس المطلق بتقواه وصلاحه وسلامة نواياه في كل ما يقول. لكل هذه النماذج نقول: إن التقدم الذي حققته البشرية في كثير من المعارف، وطرق تنظيم المجتمعات في تاريخها التراكمي قد وصل إلينا أخيرًا. فأدركت الناس كل ألاعيب المنتفعين، ومنطق أصحاب المصالح، الذين يروّجون أيديولوجيات محددة؛ تخدم أهدافهم، وتبقي العامة غافلة عن الأغراض الفعلية لتلك الوسائل. لم يعد الناس يقبلون أن يقول مسؤول أو واعظ: اتركوا هذه الأمور لتقدير الجهات المعنية، أو لاجتهاد فضيلتنا. أصبح الأفراد المغيّبون في الفترة التي ولّت (حين كانوا يفنجلون عيونهم لنجم رياضي مُبدع لا يعمل الآخرون أمامه أي شيء، وعندما كانت تفتك بهم أمراض محدودة يعرفون وسائل نقلها)، يدركون الآن أن لهم حقوقًا على مَن أوكلوا له شأنًا عامًا، وأن على أولئك مسؤوليات أيضًا وواجبات، وليست صلاحيات ومميّزات فحسب. لكن هل يدرك معاليه أو فضيلته ذلك؟