حسن السبع

مثقف أم عرضحالجي؟

وفقا للتصور التقليدي السائد، يعتبر المثقف «صوت» المجتمع المعبر عن تطلعاته وآماله، وربما استبدلت كلمة (المجتمع) بكلمة (الأمة). و «صوت» مفردة مقبولة، إلا أن المقصود بها في محيطنا الثقافي «صدى». ووفقا لذلك التصور، فإن المثقف شبيه بشاعر من القرن السادس الميلادي، يوم كان الشاعر «صوتَ القبيلة، والذائد عن حياضها»، ببلاغة القصائد طبعا. غير أن المثقف «إذا نبغ» في أيامنا هذه لا تُدقُّ له الطبول، مثلما تُدق عند ميلاد شاعر من ذلك الزمان.وفي هذا السياق غالبا ما تتكرر عبارة «وظيفة المثقف» أو «مهمة المثقف»، وكأنه ممثل في مسرحية لا ينبغي له الخروج عن النص، أو تجاوز دوره المكلف بتأديته. أضف إلى ذلك اللازمة الخاصة بـ «القضايا المصيرية» التي ينبغي على المثقف أن يشمّر لها عن ساعديه النحيلين من سوء التغذية. ولا أدري لماذا تتداعى إلى الذاكرة المارشات العسكرية، وهدير الطائرات، ودوي المدافع، كلما سمعتُ أو قرأتُ عبارة «القضايا المصيرية»!هنالك (دائما) قواسم مشتركة من التطلعات والاهتمامات والمواقف بين المثقف ومجتمعه أو أمته، وهو تصور مثالي قد لا يثبت في ساح الكلمات. حتى شاعر القرن السادس الميلادي المتيَّم  بـ «بعر الآرام في عرصاتها» لم ينسجم كل ذلك الانسجام المفترض.مرة أخرى، ووفقا لذلك التصور التقليدي، فإن هنالك (دائما) قواسم مشتركة من التطلعات والاهتمامات والمواقف بين المثقف ومجتمعه أو أمته، وهو تصور مثالي قد لا يثبت في ساح الكلمات. حتى شاعر القرن السادس الميلادي المتيَّم  بـ «بعر الآرام في عرصاتها» لم ينسجم كل ذلك الانسجام المفترض. المثقف ابن رؤيته وإرادته وخياره، وهو بالتأكيد خلاصة حلمه لا حلم غيره، وقد تتعارض رؤيته مع نمط التفكير السائد. وهو معني بنقد الواقع وليس تلميعه. وقد يكون نقد المثقف لبعض القناعات صادما للسواد، أو حتى البياض، الأعظم. ولأنه صوت وليس صدى. فقد يكون صوته نشازا حسب تفكير الغالبية.. ومن ثم فإن مسؤوليته الاجتماعية لا يمكن أن تكون خارج ذلك الإطار، حتى لا يتحول ذلك الالتزام  إلى إذعان وممالأة. لذلك لا يصدق على المثقف الحقيقي قول دريد بن الصمة «وما أنا إلا من غزية إن غوتْ غويتُ, وإن ترشد غزية أرشدِ»،  أما أقرب تعبير عن حاله فهو قول أبي الطيب المتنبي: «أنا في أمّةٍ، تداركها الله، غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ»  للمثقف «هوية» مختلفة عن التعريف التقليدي للهوية، وتتشكل تلك الهوية الخاصة من ثقافته وتجاربه وعلاقته بالبيئات الثقافية المختلفة. وهي ما يسميها أمين معلوف (جينات الروح)، أي العناصر المكونة لهوية الفرد الحقيقية. ولعلها أعظم تأثيرا في تشكيل مواقفه من الجينات البيولوجية. بقيت مسألة الالتزام. وليس عندي أفضل مما قاله الكاتب المغربي حسن نجمي على لسان بطل روايته (جيرترود): «لطالما نبَّهتك إلى أنك لستَ في حاجة إلى التزام عمومي، دع قصيدتك تلتزم نيابة عنك، وبطريقتها الخاصة»! لكن بعض تلك التصورات عن «دور المثقف» لا تميز، أحيانا، بينه وبين (العرضحالجي): كاتب العرائض.  في النص المعنون.» أوراق الجاحظ الصغيرة «يقترب الشاعر قاسم حداد من هذا المعنى حين يقول: «لستُ منسجماً، ولستُ مهيأً للانسجام». وإذا استثنيتَ أولئك المنسجمين مع أنفسهم إلى حد الغيبوبة، فإن عدم التصالح مع الواقع لا يقتصر على علاقة المثقف بالعالم من حوله، بل يتجاوزه ليطال ذات المثقف نفسه،  فهو غير متصالح مع ذاته أحيانا، وربما تعامل معها بصورة نقدية، وربما تراجع عن أفكاره ومواقفه إذا اكتشف تهافتها وعدم جدواها.