مدينة.. أم سيمفونية بصرية !
هل تجذبكَ، مثلي، المدنُ ذات الملامح المميزة؟ هل تشدّكَ المدنُ التي تحتضن الأنهار بحنان احتضان أم لوليدها؟ أو تلك التي تحافظ على علاقة ود وانسجام مع البحر، فلا تلوّثه أو تكتم أنفاسه باليابسة؟ هل شعرت يوما وأنت تتسكع على أرصفتها وكأنك تتسكع في الحلم؟هنالك مدنٌ تشبه اللوحات الفنية، لها إيقاع شعري، فهي أشبه بسيمفونية بصرية حالمة، لا تحتمل إضافة عشوائية قد تولد خللاً أو نشازا. مدن لا تزين الوجه بمكياج فاقع يؤذي العين، ولا تغير أسماءها التاريخية أيا كانت دلالات تلك الأسماء، لا تغير الأسماء لدوافع أيديولوجية أو ظروف سياسية مستجدة. وسواء كانت الجادة باسم نيرون، أم كان الميدان باسم بسمارك، فالأمر سيّان، مادام ذلك هو الاسم التاريخي! لا مشكلة إلا إذا كان أحدهما (نيرون أو بسمارك) قد غير الاسم التاريخي للجادة أو الميدان، عندئذ يمكن العودة إلى الأصل.في حين يتشبث كاتب مثل أورهان باموق بماضي المدينة، وهو يعيش الحاضر، ويتفاعل معه، ويمثل الحداثة قولا وسلوكا، يعيش بعضهم في الماضي، ويقبل به أسلوب حياة، ونمط تفكير، لكنه يرفض الآثار التي خلّفها الماضي، وكأن بينه وبين تلك الآثار خصومةتسحرني مدن الألفة، التي تراعي التاريخ، وتحتفظ بآثاره وترعاها. ولا تحوّل، بين ليلة وضحاها، محلاً لبيع الزهور إلى محل لبيع الشاورما من أجل هامش ربحٍ زهيد؟ في كلامه على مسقط رأسه، مدينة اسطنبول، يقول الكاتب التركي أورهان باموق الحائز على جائزة نوبل للآداب: «أكثر ما أمتعني في رحلات عائلتي إلى البوسفور رؤية آثار الثقافة السخية في كل مكان، وقد تأثرتْ بالغرب دون أن تفقد أصالتها وحيويتها.. كان ذلك، حتى وأنا طفل، يجعلني أعرف أن حضارة عظيمة قامت هنا»! وفي حين يتشبث كاتب مثل أورهان باموق بماضي المدينة، وهو يعيش الحاضر، ويتفاعل معه، ويمثل الحداثة قولا وسلوكا، يعيش بعضهم في الماضي، ويقبل به أسلوب حياة، ونمط تفكير، لكنه يرفض الآثار التي خلّفها الماضي، وكأن بينه وبين تلك الآثار خصومة. وتلك، يا أصدقائي، مفارقة تستحق التأمل.ما زلت أحتفظ بقصاصة خبر تناقلته وسائل الإعلام ذات يوم؛ خبر يلخص مدى الاهتمام بشخصية المدن، والحفاظ على ملامحها، حيث ألزمتْ السلطات المحلية في مدينة ريجسبورج الألمانية مقاولاً بتغيير ألوان مبنى قام بتجديده. كانت ألوان المبنى»زاهية» بشكل صارخ، ولا تتناسب مع طابع المدينة، والطرز المتبعة بها. فالمدينة، في نظر تلك الإدارة، أشبه بقصيدة لا ينبغي المساس بإيقاعها. وقد رأت إدارة المدينة الواقعة في ولاية بافاريا أن «حقيقة التشويه» موجودة في لون المبنى. يقول الخبر: «من المنتظر أن تصل المسألة إلى القضاء، لأن صاحب المبنى لا يفكر مطلقا في طلاء المبنى مرة أخرى. أما المتحدثة باسم المدينة فترى أنه لا يمكن قبول المبنى بشكله الذي يظهر عليه الآن، لأنه سيكون سابقة هي الأولى من نوعها، وقد تدفع بعضهم، بعد ذلك، للتصرف على ذلك النحو»!وما يشغل السلطات المحلية هناك، هو أن تصبح تلك المباني الزاهية كلفاً في وجه المدينة. هي مبانٍ فخمةٌ، وقد تكلف أموالا طائلة، لكنها فخامة رثة تخلّ بالإيقاع، وتخدش الذائقة الرفيعة. وقلْ لي ما الذي يشغلكَ، أقلْ لك من أنت! هامش: علَّق قارئ كريم يسمي نفسه (سان لوران) على المقال السابق قائلا: «ولو ناراً نفختَ بها أضاءتْ.. ولكنْ أنتَ تنفخُ في رمادِ»! وأقول: سنظل، أيها الجميل، ننفخ في الرماد إلى أن ينبعثَ طائرُ الفينيق!