رؤية العالم من خلال أغنيتين: ليدي غاغا ونجوى كرم
وتكون الاختلافات في الرؤى بين نصوص الأدب الغنائي بارزة في الفترات التاريخية المتعاقبة وفي الثقافات الإنسانية المتباعدة؛ فالأشياء التي تثير اهتمامنا العميق الآن تخص عصرنا الحاضر، كما أن الأشياء والرموز التي تشد انتباه الناس في ثقافة معينة تختلف عن تلك التي يعدها آخرون تستحق التوقف عندها والتفاعل معها. وكل عصر له أسلوبه الخاص في الشعور، سواء كان أرحب أو أكثر تحديداً، أكثر سمواً وتحرراً أو أكثر رقة. وباختصار تكون لكل عصر رؤيته الجزئية الخاصة للعالم التي يتم استحضارها على أوضح نحو أمام وعي الفنان بواسطة الشعر. وبالتركيز على عنصر من عناصر رؤية العالم، التي تزدحم بها أشعار شعوب الأرض، خاصة المُغناة منها؛ وهو «الليل»، نجد أنه بالمقارنة مثلاً بين ثقافتين (شرقية ممثلة بالثقافة العربية وغربية ممثلة بالثقافة الأمريكية) يتبين لنا التباين في منطلقات الرؤية ومركز الثقل فيها.
في الثقافة العربية، التي يهيمن على عنصر الليل في شعرها الغنائي صفة العامل المساعد والحامي للعشاق من أعين المتطفلين، تتعدد صوره الرومانسية في الأشعار العربية بين الملجأ من النهار الفاضح، إلى الملتقى الآمن للأحباب، وبث الهموم تحت ستار الظلام الواقيففي الثقافة العربية، التي يهيمن على عنصر الليل في شعرها الغنائي صفة العامل المساعد والحامي للعشاق من أعين المتطفلين، تتعدد صوره الرومانسية في الأشعار العربية بين الملجأ من النهار الفاضح، إلى الملتقى الآمن للأحباب، وبث الهموم تحت ستار الظلام الواقي. فظهرت من الكنايات الدالة عليه «أبو الأسرار»، وعلى الليالي غير المقمرة «حاضنة العشاق». وقد تجلّت هذه الرؤية في الثقافة العربية حديثاً في أغنية نجوى كرم «خليني شوفك بالليل»، التي تعظِّم كلماتها تلك السمات الإيجابية لليل، بكلمات عذبة ورقيقة، ولكنها تتواءم مع ما استقر في عمق الثقافة العربية البدوية في الصحراء (بعيداً عن بيروت التي لا يختلف ليلها عن نهارها): خليني شوفك بالليل ... الليلي بعد الغروب مش عيب الملقى بالليل ... الليل بيستر العيوب ولو صفّوا عمامي صفين ... وربعي التموا عالميلين عن دربك يا نور العين ... ما بحيد يا محبوبي خليني شوف العينين ... اللي أصفا من المي عا العين خلّيني بوس الخدّين ... دخيلك يا محبوبي وبدّي وكان بدي ضمّك ... أنا مغرومة بخفّة دمك خلّيني مرّة شمّك ... وبعْدَ أروح بغيبوبي فالليل يستر اللقاء (وهو عرف لتلاقي الأحبة: مش عيب الملقى بالليل). وفيها تصميم على البحث عن فرص اللقاء حتى لو حاول الأعمام والعشيرة منع اللقاء، ثم بث ألم البعد، والشوق إلى التمتع بصفات المعشوق، والحصول منه على ما يطفئ نار الشوق إليه. أمّا الثقافة الغربية التي تهتم بالجزئيات، فالليل عنصر مادي فيها، كأي عنصر آخر من عناصر الوجود المحسوسة. فهو لا يتعدى حساباً زمنياً يختفي فيه ضوء الشمس، فيصبح الكون مظلماً؛ ومع هذا الظلام يكون الجو مهيّئاً ليس من أجل لقاء الحبيب، والاختباء عن الرقيب، بل للتمتع بفرص المتعة الحسية التي توفِّرها المدن الغربية في الحياة الليلية. لذا اتجهت ليدي غاغا في أغنيتها «marry the night» إلى أن تتزوج الليل نفسه؛ فهي لا تريد التخلي عن حياتها، وهي الملكة المناضلة، وستعيش الليلة بكل أحاسيسها (ليس هناك كلام عن المحبوب أو الشريك). بل إنها ستتزوج الظلام (هل توحي بأنها ترغب في أحد أصحاب البشرة الداكنة؟)، فهي ستمارس الحب معه (الظلام/الأسود). وهي مجنّدة للفراغ الذي تعيش فيه، وستكون هي الرابحة. ستتزوج الليل، وستدفن الليل. ولن تعود إلى البكاء مرة أخرى.. ستتزوج الليل .. ولن تدع شيئاً في هذا الشارع من غير أن تختبره. ستربط أحزمة حذاءها .. وستسري طويلاً في شارع الحب ... إلخ في الرحلة التي تؤدي بها إلى الضياع. وفي النهاية اتفقت الأغنيتان على ختام رحلة الليل بوصف «الغيبوبة» لدى نجوى كرم، والضياع لدى ليدي غاغا، مع أن الطريقين مختلفان والرمزية متباينة في كل من التجربتين المستندتين إلى ثقافتين متباعدتين؛ تنظر الأولى (العربية) إلى الكليات في عناصر الرؤية، بينما تنظر الثانية (الغربية) إلى الجزئيات في تلك العناصر.