تُرسٌ في آلة ..
ليس أسهل من سنّ القوانين، أو إصدار التعليمات من وراء المكاتب الأنيقة، أو داخل الأبراج البيروقراطية، ذلك لا يتطلب عملاً خارقا، ما يحتاج إلى جهدٍ وحكمةٍ وبعد نظر، هو تقدير النتائج والآثار المترتبة على ذلك، فالتنظير يختلف عن التطبيق على أرض الواقع. قد لا يخطر على بال تروس البيروقراطية الكبار أن القيمة العليا التي يفترض أن تؤسس عليها الأنظمة والقوانين، هو مراعاتها للجانب الإنساني، فقد وجدت في الأساس لخدمة الإنسان، وليس لتعقيد الحياة. وقد يغيب عنها النظر إلى الموظف على أنه شخص ناضج منتج وشريك في المشروع. وقد لا يعي منفذ الأنظمة (الترس الصغير) أهمية الموازنة بين مختلف المصالح، والمرونة في المسائل التي تسهل أمور الفرد، ولا تضر بمصالح المجتمع.
قد لا يخطر على بال تروس البيروقراطية الكبار أن القيمة العليا التي يفترض أن تؤسس عليها الأنظمة والقوانين، هو مراعاتها للجانب الإنساني ، فقد وجدت في الأساس لخدمة الإنسان، وليس لتعقيد الحياة.
من الأنظمة والإجراءات ما أكل الدهر عليه وشرب. وكلما تقدم الزمن، وازداد العالم حداثة، ازدادت تلك الأنظمة والإجراءات قِدماً وغرابة. مع ذلك تبقى دون تطوير، فالترس لا يسأل، بل يعمل بشكل آلي إلى أن يصدأ. أعود الآن للطرفة التي أشرت إليها في بداية هذا المقال، وهي عبارة عن تعميم قراقوشي موجّه من الإدارة إلى موظفيها على النحو التالي: في حالة المرض: إنّ الإدارة ليست مُلزمة بقبول تقارير الطبيب كدليل (على المرض).. ونعتقد أنك مادمتَ قادراً على الذهاب إلى الطبيب، فأنت قادر على العمل! في حالة الغياب لإجراء عملية جراحية: ليكن معلوما أننا لن نسمح بذلك طالما كنتَ موظفا لدينا. فقد وظَّفناك كما أنت، ونحرص أن تبقى كاملا.. وأن إجراء عملية جراحية لإزالة شيء من جسمك، يعني أنك أصبحت (أقلَّ) من الموظف الذي تعاقدنا معه. كل من يجري عملية جراحية فهو مفصول! في حالة الوفاة: الوفاة ستكون عذرا مقبولا و.. (لكن) نأمل أن نتلقى منك إشعارا قبل أسبوعين من الوفاة، لأننا نرى أن من واجبك أن تدرب شخصا ما قبل.. أو بعد الوفاة!! طبعا هذا مجرد كاريكاتير يعبر بشكل تهكمي عن غرابة بعض اللوائح والنظم التي لا تراعي الجانب الإنساني، ولا تأخذ في الاعتبار القاعدة القائلة: «إذا أردت أن تُطاع، فاطلبْ المستطاع»!. قد لا تكون اللوائح غريبة على ذلك النحو الذي جاء في التعميم، وقد تكون سهلة وواضحة، لكن بعضهم يجعل منها عقبة في طريق انسياب الأداء، حين يعقّد ما ليس معقدا، ويشوّش ما ليس مشوّشا. مثل هذا النموذج موجود من قمة الهرم الإداري إلى قاعدته. هنالك من يعقد حتى الإجراءات البسيطة، إما لنقصٍ في التأهيل، أو نقص في الخبرة، أو لحماية نفسه، أو لإضفاء المزيد من الأهمية على موقعه الوظيفي، أو بسبب شخصيته العكرة، أو لحاجات أخرى في نفسه. وكان الله في عون من تحوجه الظروف يوما للوقوف أمام مثل ذلك الموظف!