افشـــوا الســلام بينكم !
هل نفتش في تراثنا، لنكتشف الجوانب الجميلة فيه، بدلاً من التركيز على الإفرازات المتواترة على ألسنة الغوغائيين، الذين لا يجذبهم إلا ما يوافق هواهم، أو يتناسب مع طبائعهم؟ هناك فهم سائد لعنوان هذا المقال، بأنه يعني أن نسلّم على من نراه في كل حين، وحتى بعد الفاصل الزمني، الذي لا يتعدى الدقائق. لكن نظرة أعمق إلى هذا التوجيه، يكشف لنا أن المقصود أبلغ مما أوحينا به إلى كثير من الجاليات المسلمة التي تعيش بيننا، والتي تلقي السلام على كل مار وجالس ومخاطب، بمناسبة ودون مناسبة، اعتقاداً منهم بأن هذا هو روح الدين الإسلامي.لكن «السلام» ليس لفظاً ينطق، أو عبارة مجاملة؛ يقصد منها صاحبها أحياناً الحصول على الأجر بتكرارها كل مرة. السلام سلوك يُتّبع، ومبادئ تعتمد من أجل خلق الوئام بين أفراد المجتمع الواحد، وبينه وبين المجتمعات الأخرىلكن «السلام» ليس لفظاً ينطق، أو عبارة مجاملة؛ يقصد منها صاحبها أحياناً الحصول على الأجر بتكرارها كل مرة. السلام سلوك يُتّبع، ومبادئ تعتمد من أجل خلق الوئام بين أفراد المجتمع الواحد، وبينه وبين المجتمعات الأخرى. من أراد السير في طريقه، فإن عليه تبعات كثيرة؛ عليه الالتزام بها: 1 – الابتعاد عن الكراهية المسبقة لأي فرد كان، ولأي مجتمع أو ثقافة بعينها. فمع وجود تلك السمة تنتفى جدوى كل الجهود الأخرى الرامية إلى تخليص المجتمع من سلبيات التفكك، كما تؤدي إلى العداء، وما يتبعه من دورات العمل الضدي الدوري. 2 – حسن النية بتقديم النصح والإخلاص فيه، مهما كانت درجة العلاقة، التي تربط بين الناصح وطالب النصيحة، ودون توقع منفعة تستدعي الإخلاص. 3 – استبعاد الشك فيما يقوله الآخرون، أو يقومون به من منطلق ذاتي، دون وجود مبررات موضوعية تدعم تبني فرضية الشك في قوله أو عمله. 4 – تربية الأولاد والخدم أو العاملين على صفاء الذهن؛ فعندما نربي أو نشعر من يتعلمون، بأن عليهم أن يكونوا ماكرين، وشرسين في التصدي للغير، لأنه بدون ذلك لن يحصلوا على حقوقهم؛ فإننا بطريقة غير مباشرة نجعل أذهانهم تتبرمج على أن العدوان هو سبيل الحياة المثالية. 5 – الحرص على البيئة الطبيعية والاجتماعية، وتفادي تلويثها أو إيذائها. وإن كان مثل هذا المبدأ جديداً في تاريخ المجتمعات البشرية، إلا أنه في غاية الضرورة من أجل استمرار الحياة الكريمة على الأرض في وئام مع متغيرات المناخ الكونية. كما أن خلق البيئات الاجتماعية الواعية بمثل تلك الضرورات أمر لا مفر منه في حياتنا، التي بدأت تتعقد في كثير من الاتجاهات. 6 – خلق النموذج القدوة، بدلاً من طلب المعاملة الطيبة من الآخر قبل القيام بأي خطوة إيجابية تجاهه؛ فتعويد النفس على التسامح، والاحترام غير المشروط، تجبر الآخر من خلال سمو المبادئ على السير في هذا الطريق. وليس من باب المصادفة أن المجتمعات العظيمة في تاريخ البشرية، هي تلك التي وضعت شخصيات تاريخية لديها من هذا المستوى في مقررات الصغار التعليمية، وفي إنتاجها الأدبي المؤثر في الداخل والخارج. 7 – تفهم الثقافات والأديان والمذاهب الأخرى المختلفة، وليس المتفقة أو المقاربة. فقبول التعايش مع المتفق أو المقارب ليس جهداً خارقاً، أو استثنائياً في سبيل توطيد السلام الداخلي للنفس، لتكون مهيئة للإبداع، أو فتح باب التكامل بين فئات المجتمع الواحد، أو بينه وبين ثقافات المجتمعات الأخرى ومكوناتها الدينية، بدلاً من التصارع ومحاولات الإلغاء المتبادلة الأدوار. 8 – توقع وجود الخطأ ومكامن الزلل في الجهود الذاتية، وفي البنية الاجتماعية المحلية، حتى لا تظهر اعتبارات ذاتية متضخمة لأي فرد أو فئة في المجتمع. وهذا هو السبيل الوحيد لإمكان القضاء على الشوفينية على مستوى المكونات الجمعية، والنرجسية على مستوى الأفراد المهيئين لتقمص تلك الأدوار، طالما سمحت الهياكل الرئيسة لها بالحدوث. 9 – الإعلاء من شأن أي جهد تقاربي أو تصالحي بين الأفراد المختلفين، أو البيئات الاجتماعية المتنافرة. إذ إنه تتوفر بهذه الطريقة أرضية صلبة لاندماج الفئات المختلفة في المجتمع الواحد. عندئذ يجري انصهار المكونات الفردية أو الفئوية في صناعة البنية المجتمعية، المركزية الجوهر، والمتعددة في الأطراف والعناصر المفردة بتمازج مقبول من الجميع. 10 – مراجعة المواقف باستمرار؛ فالأوضاع التي تضطر المرء أو المجتمع إلى تبني موقف معين، لا تكون جامدة في كل ظرف مستجد. وثبات مثل تلك المواقف يؤدي إلى إحباط المتفائلين من إمكان تغيرات في موقف الآخر، إذا كان يرغب في سلوك الطريق الإيجابي نحو التصالح وخلق بيئات التعايش.