حسن السبع

وين أذنك يا جحا!

ربما اقترنت عبارة «وين أذنك يا جحا» باسم جحا جزافا. والمقصود هنا هو جحا العربي (أبو الغصن)، فهو، وإن تحامق أحيانا لحاجة في نفسه، رجل «كيّسٌ ظريف»، بشهادة مكي بن إبراهيم البلخي. تنتقد تلك العبارة التعقيد وسلوك الطرق الصعبة الملتوية بدلا من السهلة المباشرة. وإذا كان من جهة تصح عليها تلك العبارة فهي بعض قطاعات الخدمات التي تعشش في زواياها البيروقراطية، ولديها قدرة فائقة على تعقيد ما هو معقد بطبيعته.

تصور أنَّ طبيبة «قدّ الدنيا»، وتعمل في مستشفى «قدّ الدنيا» يزدحم بالأطباء من مختلف التخصصات، لكنها حين تمرض، وتطلب إذناً للذهاب إلى البيت، يقال لها: راجعي مركزا صحيا لتحصلي منه على تقرير وتوصية بإجازة مرضية. فإما أن تكون إدارة المستشفى غير واثقة من قول الشاعر: «طبيبٌ يداوي النَّاسَ وهو عليلُ»! ولذلك صار لزاما على الطبيب إثبات أنه عليل فعلا مستعينا بجهة محايدة! أو أن بعض الإجراءات الإدارية (عليلة) وتحتاج إلى طبيب يداويها، لتصبح أكثر حيوية ومرونة وإنسانية فلا تصح عليها العبارة القائلة: «وين أذنك يا جحا»!

تصور أنَّ طبيبة «قدّ الدنيا»، وتعمل في مستشفى «قدّ الدنيا» يزدحم بالأطباء من مختلف التخصصات، لكنها حين تمرض، وتطلب إذناً للذهاب إلى البيت، يقال لها: راجعي مركزا صحيا لتحصلي منه على تقرير وتوصية بإجازة مرضيةقلتُ ربما اقترنت عبارة «وين أذنك يا جحا» باسم جحا جزافا. لأن أبا الغصن شخصية ساخرة، والسخرية نقد لكل شكل من أشكال الاعوجاج؛ اعوجاج الطباع والمواقف. فالعبارة، إذن، أقرب إلى روح بعض الإجراءات البيروقراطية، ولا يمكن أن أتصور جحا بيروقراطيا. وإذا كان ما يقال عن قراقوش صحيحا، فإن لديه القابلية لأن يكون بيروقراطيا. كل الذين تناولوا سيرته يؤكدون غرابة أطواره وقراراته، ومجافاة أحكامه لمنطق الواقع. وإذا كان الأمر كذلك، فهنالك قواسم مشتركة بينه وبين بعض الإجراءات واللوائح والأنظمة البيروقراطية. وإليك حكاية أخرى تشير إلى بعض عجائب الوسط البيروقراطي. ذهب شاب إلى مختار القرية ومعه كل الأوراق المطلوبة لإنجاز (معاملته). كان الشاب بحاجة إلى ختم المختار ليتمكن من إضافة زوجته إلى دفتر العائلة، أخرج المختار نظارته السميكة، ونظر في الأوراق التي بين يديه، وبقي الشاب ينتظر على مضض أن يخرج المختار ختمه العتيد. بعد فترة انتظار طويلة، التفت المختار إلى الشاب قائلا: «لا أستطيع أن أصادق على شهادة الشهود». سأل الشاب المختار قائلا: «لماذا يا سيدي؟» قال المختار: «أحد الشهود غير معروف عندي.. فهو ليس من أهالي قريتنا». قال الشاب: «لكنك تعرفني، وتعرف أنني متزوج من فلانة ابنة فلان.. وقد حضرتَ، يا سيدي، حفل زفافنا.. وتناولتَ وجبة العشاء»! قال المختار: «نعم.. كل ذلك صحيح.. لكني لا أعرف الشاهد الآخر»!أخذ الشاب أوراقه، وذهب إلى قرية صديقه (الشاهد) وشرح له مشكلته. قال صديقه: «أعطني الأوراق وليرتين فقط.. وانتظرني هنا.. سوف أختم أوراقك عند مختار قريتنا». بعد أقل من عشر دقائق عاد صديقه بالأوراق مختومة بختم المختار الذي لا يعرف الزوج ولا الزوجة ولا الشهود.. فهو «مختار ما شافش حاجة»!ترى لأي مختار ستصفق؟ كأني بكَ تقول: «ولا واحد!» أجل.. «ولا واحد» فهما وجهان لعملة واحدة. قد تكون الحكاية قديمة، لكنها تعيد نفسها بصيغٍ وأشكالٍ مختلفة. وهنالك مواقف أخرى مشابهة تواجه الناس في تعاملهم مع كثير من المؤسسات، سواء كانوا موظفين من داخل المؤسسة أم مراجعين لها.