حسن السبع

بابٌ للريح .. نافذةٌ للغبار !

في تناوله لموضوع (الزمن في الشعر العربي المعاصر) يورد عبد الحميد جيده سؤالا طرحه آرثر كرافان على الأديب الفرنسي أندريه جِيْد : «مسيو جِيْد.. أين نحن الآن بالنسبة للزمن؟» فيجيب أندريه جِيْد قائلا : «السادسة إلا ربع»! طبعا لم يقصد كرافان أن يسأل عن الوقت، فقد كان السؤال ذا دلالة فلسفية. لذلك يعلّق أندريه بريتون في بيانه السريالي قائلا : «آه.. يجب أن نعترف أننا سيئون جدا مع الزمن»!

أما المفارقة، هنا، فهي أن يأتي ذلك الاعتراف من كاتب ينتمي إلى ثقافة منتجة لا تسكن الهامش. فماذا يمكن أن يقول من لا يستطيع أن يعيش زمنه بشكل فاعل ومنتج؟ ومن يهدر وقته في تفاصيل صغيرة مضحيا بالمضمون من أجل الشكل، وبالمتن من أجل الهامش، ومن ينشغل بالماضي عن الحاضر والمستقبل؟ وماذا يقول من يغرق في اهتمامات مثيرة للتندر والضحك، ويتصارع من أجلها زمنا طويلا، ويتجاهل، في الوقت نفسه، ما يتعلق بتحسين ظروف حياته المشتركة. كثير من الأحاديث والحوارات والمقالات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي العربية تؤكد تلك العلاقة المشوشة بالزمن التي أشار إليها أندريه بريتون. 

كل شيء في هذه الحياة قابل للاستخدام الإيجابي أو السلبي. الديناميت، على سبيل المثال، قد يستخدم لشق الأنفاق، وتشييد الجسور، وتسهيل حياة البشر، وقد يستخدم للتدمير وإزهاق الأرواح. فهل نتنازل عن الجوانب الإيجابية، على كثرتها، تفاديا للجانب السلبي؟ وهل نرفض وصفة الدواء التي لا بد منها لإنقاذ حياة مريض لأن لذلك الدواء بعض الآثار الجانبية؟

دعنا من ذلك كله وتأمل، على سبيل المثال، ردود الفعل تجاه أي اختراع جديد، أو تقنية حديثة، أو نمط حياة مختلف، وسوف تجد كيف يُحارب ذلك الشيء الجديد زمنا طويلا خشيةً من آثاره الجانبية؛ ومن إساءة استخدامه، ثم يزاحم الناس بعضهم بعضا من أجل اقتنائه. هنالك، دائما، خشية من خوص غمار مجازفة ما، ولذلك أصبحت الحكمة المفضلة هي المثل الشعبي القائل : «الباب اللي تجيك منه الريح سده واستريح»! لكن العالم صار قرية كونية واحدة، ويمكن للريح أن تتسلل من كل الأبواب المحيطة بنا. كل شيء في هذه الحياة قابل للاستخدام الإيجابي أو السلبي. الديناميت، على سبيل المثال، قد يستخدم لشق الأنفاق، وتشييد الجسور، وتسهيل حياة البشر، وقد يستخدم للتدمير وإزهاق الأرواح. فهل نتنازل عن الجوانب الإيجابية، على كثرتها، تفاديا للجانب السلبي؟ وهل نرفض وصفة الدواء التي لا بد منها لإنقاذ حياة مريض لأن لذلك الدواء بعض الآثار الجانبية؟  هنالك، إذن، حذر وتحفظ مبالغ فيه يتغلغل في كثير من شؤون الحياة، حيث يفضل أنصار ذلك الشعار سد الأبواب والنوفذ بإحكام حتى لا يتسلل أي شيء مختلف من الأفكار أو أنماط العيش، وهذا ما يقلص مساحة الحرية التي هي شرط من شروط الإبداع والابتكار. يشبه هذا الوضع الاجتماعي حال نزيلين في غرفة واحدة، أحدهما يريد فتح النافذة ليجدد هواء الغرفة، وليستمتع بضوء النهار، وليطل على العالم، وليشاهد جمال الحياة، ويخشى الآخر إن هو فتح تلك النافذة أن يتسلل منها الغبار، وأن على النزيل الأول أن ينتظر طويلا حتى يقتنع شريكه بضرورة فتح تلك النافذة ليتسلل منها الهواء وضوء الشمس. وبالعودة إلى السؤال القائل : «أين نحن الآن بالنسبة للزمن»؟ يمكن القول ان ما يحدد موقعا متقدما على خارطة الزمن هو وجود عقول مبدعة، ومناخ اجتماعي وثقافي حاضن للإبداع، وبيئة تتلقى وتتفاعل إيجابيا، وهي جميعها عناصر فاعلة في أية معادلة حضارية.