د. فالح العجمي

أحمر اللون .. مكسور الجناح

تذكرت المثل الذي يقول: «جيناك يا عبد المعين تعينا، لقيناك يا عبد المعين تنعان» – وأنا أشاهد سائق سيارة الإسعاف متردداً في قطع الطريق المؤدي من المستشفى إلى الطريق العام – رغم إضاءته أنوار الخطر؛ مما جعلني أقف مباشرة، تاركاً له الطريق. لكن سائقي السيارات الأخرى من خلفي احتجوا، ومن الجانبين لم يكترثوا بسيارة الإسعاف، واستمروا في طريقهم، مما جعلني أفهم تردده. فهو إما أنه لا يعي أحقيته في المرور، بل ضرورة أن يمر وبسرعة؛ أو أنه يخاف أنهم لا يعون، ولا يكترثون – كما هي الحال أمامي – فيتحاشى الاصطدام بهم. ولا بأس أن تتأخر العملية الإسعافية.

يا إلهي! هل وصل بنا التردي إلى هذا الحد؟ بعد أن وصلت إلى المكتب، جلست وحيداً لبضع دقائق أفكر في الموضوع، وخلصت إلى أن للقضية أربعة جوانب؛ أولها متعلق بوعي الناس بضرورة إفساح الطريق للخدمات العاجلة (من دفاع مدني وإسعاف وغيرها)، بتصور أن المحتاج إلى الخدمة العاجلة هو أحد أقربائك أو أصدقائك (هل نحن أنانيون فعلاً: نحتاج إلى هذا التصور من أجل الإيمان بضرورة إفساح الطريق لخدمة إنسانية نبيلة؟). والثاني معتمد على إدراك سائق الإسعاف لوظيفته، والمهمة الإنسانية، التي يقوم بها؛ فهي ليست عملاً كبقية الأعمال. فهؤلاء يلزمهم أن يتدربوا على الثقة في استخدام الطريق بطريقة فاعلة وسريعة وآمنة، كما أن عليهم أن يتعلموا حقوق كل طرف في تلك الأحوال الطارئة (حقوق المرضى أو المصابين وذويهم وحقوق الأطباء والمرافقين من مساعديهم، وكذلك حقوق مستخدمي الطريق). وعلينا جميعاً أن ننصف هذه الفرق الإنسانية – بعد التدريب والتعليم – بحمايتهم، وتقديرهم وإعطائهم ميزات منصفة، مقابل من يقوم منهم بعمله بتفانٍ وإخلاص.

من أجل قياس البعد الثالث (المرتبط بإدارة المرور) اتجهت إلى إحدى إداراته، التي تصدر رخص قيادة، وتتواجد فيها إحدى مدارس تعليم القيادة. وفيها توجهت بسؤال إلى اثنين من كبار الضباط، اللذين سألتهما عن التعليمات التي لدى إدارة المرور بشأن تسهيل مرور مركبات الإسعاف في الشوارع، أو الإجراءات المتبعة إزاء من يعيق عمل تلك المركبات، أو لا يفسح الطريق أمامها. فلم يرد علي أحدهما، بينما اعتذر الآخر بأنه لا يعرف شيئاً بهذا الشأن، وأن الأمر عائد – فيما يعرف – إلى أطراف القضية، ليجدوا طريقهم نحو المكان، الذي يقصدونه، وأن لا شأن للمرور بهذا الموضوع. 

أما الثالث، فهو مرتبط بإدارة المرور، التي يقع عليها عبء تسهيل الطريق لمثل تلك المركبات، التي تعني الدقائق من انتظارها حالات فاصلة في حياة الناس، الذين تنقلهم إلى حيث العناية اللازمة. وهي أهم كثيراً من المواكب، التي تقفل الطرق من أجل وصول أصحابها بسرعة إلى حيث يجتمعون ويتكلمون. أما هؤلاء، فإلى حيث يحيون أو يموتون. وأخيراً الأمر الرابع قائم على تعامل المؤسسة العامة المعنية بشؤون إنقاذ حياة الناس بشكل عام (وهي هيئة الهلال الأحمر السعودي)، وكذلك المؤسسات العامة والخاصة المعنية بتسيير سيارات الإسعاف (وهي المستشفيات الحكومية والأهلية). فتلك المؤسسات مجتمعة معنية باتخاذ خطوات ملموسة نحو تشريع الحماية والاهتمام بنقل المرضى والمصابين من خلال الضغط على مصادر القرار في تلك الأمور من جهة، وكذلك نحو توعية الناس بملصقات دعائية في الشوارع، ومقرات الأندية الرياضية وعلى لوحات الملاعب، وإصدار نشرات تعليمية في دور التعليم، وفي المستشفيات، بل وفي قاعات الانتظار في العيادات وصالونات الحلاقة، وكل أماكن التوعية الممكنة. ومن أجل قياس البعد الثالث (المرتبط بإدارة المرور) اتجهت إلى إحدى إداراته، التي تصدر رخص قيادة، وتتواجد فيها إحدى مدارس تعليم القيادة. وفيها توجهت بسؤال إلى اثنين من كبار الضباط، اللذين سألتهما عن التعليمات التي لدى إدارة المرور بشأن تسهيل مرور مركبات الإسعاف في الشوارع، أو الإجراءات المتبعة إزاء من يعيق عمل تلك المركبات، أو لا يفسح الطريق أمامها. فلم يرد علي أحدهما، بينما اعتذر الآخر بأنه لا يعرف شيئاً بهذا الشأن، وأن الأمر عائد – فيما يعرف – إلى أطراف القضية، ليجدوا طريقهم نحو المكان، الذي يقصدونه، وأن لا شأن للمرور بهذا الموضوع. فاتجهت قاصداً منتسبي مدرسة القيادة، التي يفترض أن إدارة المرور، أو المؤسسة المخولة تعليمهم أنظمة المرور، تعطيهم إرشادات كافية لما ينبغي عليهم فعله في الحالات التي يتعرضون فيها لخلل طارئ، أو لما يعترض طريقهم من إشكالات، أو تغيرات في أوضاع الطريق غير المعتادة، كرؤية مركبات الطوارئ أو سماع أصواتها، أو مشاهدة حيوانات في الطريق، أو سيارات معطلة، إلخ. وبسؤالي لعدد منهم، تبين لي أنهم لم يتعرضوا لأي إرشادات من هذا النوع. فماذا يعني هذا السكوت عن حق مدني لفئة محتاجة إلى إعطاء الأولوية في الطريق؟ هل المرور مسؤول عن تعثر إنقاذ من يتوفى في الطريق، لأن بلاهة بعض سالكيه تجعلهم لا يبالون بأنوار تلك المركبات أو أصواتها المميزة؟ وهل نحتاج إلى نقاش الموضوع على أعلى مستوى؟ أظن ذلك!