ربيع الضحك .. خريف السياسة
أتذكر تلك الحقيبة التي تجمع في داخلها خليطا من المحتويات لا يمكن أن تتجاور إلا في لوحة سريالية لسلفادور دالي. كنتُ أسميها (صندوق الدنيا). لا أستبعد أنه مازال يحتفظ بها، فحين ودعناه، أو حين «وزَّعناه» ـ كما يحلو له أن يقول ـ كانت في عنفوان شبابها. وإذا كان الأمر كذلك، فيمكنني أن أتخيل أنه قد حملها على كتفه ذات يوم من عام 2011، متوجها بالقطار من دمياط إلى ميدان التحرير بالقاهرة، وبداخلها بعض شطائر الفول والطعمية والحلويات الدمياطية.
إن انتخابات الربيع العربي قد أعادت الاعتبار للعبارة القائلة : «الجمهور عايز كده»! فهل ينتخب الجمهور شاعرا؟ إن ثقة الجماهير في الشاعر ليست أفضل من ثقة أفلاطون الذي نفى الشعراء من مدينته الفاضلة. الشاعر ـ كما يرى أفلاطون ـ «ساحر وممتع، لكن عليه أن يعرف أنه لا وجود له في مدينتنا».
الأستاذ سمير الفيل ـ وهو المعروف بظرفه وجمال روحه ـ أراه اليوم يضحك، ولسان حاله يقول : «أنا بالضّحكِ أستعين على الحمَّى إذا تعاظمتْ فتهون»! ففي تعليق ساخر على صفحته في الفيسبوك، وبعد عام على «الربيع»، يتساءل سمير ساخرا : «فيه حد منكم (لسة) لم يرشح نفسه رئيسا لجمهورية مصر؟»، وتعليقا على سؤاله كتبتُ مازحا : «أستاذ سمير .. بتنتظر ايه يا صديقي؟ إذا لم تفز فستحصل على لقب مرشح الرئاسة لعام 2012 الذي لم يفز»! ورد قائلا : «أ. حسن السبع. خايف تعنّد معايا.. وأفوز بجدّ!».. بعد أيام طرح تردده جانبا وأعلن في تعليق آخر أنه وبناء على رغبة «الجماهير الزاحفة» قرر ترشيح نفسه للرئاسة! وهي دعابة تعبر عن موقف ما حيال انخفاض سقف التوقعات، وما آلت إليه الأمور. مع ذلك يمكنني وبثقة أن أشكك في قدرة سمير الفيل على خوض معركة الرئاسة. تلك مهمة لا يستطيع الرومانسيون الحالمون الاندماج فيها. فوق ذلك فإن انتخابات الربيع العربي قد أعادت الاعتبار للعبارة القائلة : «الجمهور عايز كده»! فهل ينتخب الجمهور شاعرا؟ إن ثقة الجماهير في الشاعر ليست أفضل من ثقة أفلاطون الذي نفى الشعراء من مدينته الفاضلة. الشاعر ـ كما يرى أفلاطون ـ «ساحر وممتع، لكن عليه أن يعرف أنه لا وجود له في مدينتنا». أردتُ أن أعترض على ذلك الموقف، لكن الأستاذ سمير الفيل «نجم الجماهير الزاحفة» قد خيّب ظني وخذل توقعاتي، فقد عاد وكتب على صفحته في الفيسبوك يقول : «مش عايز أتكلم في السياسة. بصراحة أنا زهقت..»! ذلك مزاج مثقف، والمثقف المبدع لا يزج بنفسه في أتون جحيم يحوّله من ذهبٍ خالص إلى فحمة. وهو مزاج شاعر حنَّ إلى قصائده، وكأني به، الآن، يردد مقطعا منها يقول : «ربيعْنَا راكبْ حصانَهْ معدّي عَ السّكةْ/ شُفْته بِيمْضَغْ لجامه وشارد الخطوةْ / مكسور جناحه .. ما عاد خلاَّن ولا سطوهْ»! والسؤال هو : هل «يزهق» أو يملّ الرئيس من السياسة؟ لا أظن ذلك.. فالمتعارف عليه أن السياسةَ تملّ من الرئيس وتبكي وتستغيث، أما هو فلا يملّ منها!