حسن السبع

زمن الصوص والبيضة ..

ذلك الوقت الذي تؤكد أدبياتنا على قيمته، هو نفسه الوقت الذي نقتله ثم نمنح رماده للريح، أو يقتلنا على مهل، ثم يتجاوزنا فلا نستطيع اللحاق به، وهو المبرد الذي يقرضنا بصمت دون أن نشعر؛ وهو نفسه الذي نبدده في جدل عقيم إلى حدّ الاقتتال حول «الصوص والبيضة» وأيهما سبق الآخر. كل ذلك الصخب الذي يصم آذاننا يوميا لا يختلف كثيرا عن ذلك السجال الذي دار قديما في حلقة مفرغة. نشحُّ بالدقائق حينا على قضية في غاية الأهمية، نعتذر بضيق الوقت، ونبدد العمرَ في مسائل لا مستقبل لها. ومنها ذلك الجدل القديم المقيم حول «الصوص والبيضة»!

في زمن الانكسار والتردي نتطلع إلى الوراء. نتخذ من الذاكرة جسرا للوصول إلى الماضي؛ إلى الزمان الجميل.  لكن، إذا كان الماضي زاهيا وجميلا على الورق، وفي متون الكتب فهو على أرض الواقع خيمة من لا خيمة له، أما استحضاره والعيش تحت مظلته، ووفقا لمعاييره فتعطيل للحاضر، وجناية على المستقبل، وقبول بالعيش في الهامش. وللتعبير عن هذا المأزق يمكن اقتباس عبارة شكسبير القائلة: «أمس ضيَّعتُ الوقتَ واليوم الوقت يضيعني»! هذا هو الواقع. فما زال الوقت يضيعنا، وما زال الجدل حول «الصوص والبيضة» على أشده، يتوارثه الأحفاد عن الأجداد. كأنهم في تلك المتاهة دُوارٌ بلا بوصلة، وإبحارٌ دائم بلا هدف. لم يبادر أحد فيقول لورثة الماضي المتناحرين: «أيها السادة.. لقد انتهت اللعبة.. ونحن أبناء هذا الحاضر»!

ما زال الجدل حول «الصوص والبيضة» على أشده، يتوارثه الأحفاد عن الأجداد. كأنهم في تلك المتاهة دُوارٌ بلا بوصلة، وإبحارٌ دائم بلا هدف. لم يبادر أحد فيقول لورثة الماضي المتناحرين: «أيها السادة.. لقد انتهت اللعبة.. ونحن أبناء هذا الحاضر»!  هذا الوقت الذي يطول ويقصر، ويضيق ويتسع، ليس سوى مسافة زمنية واحدة بمقياس الساعة القابعة على الحائط، أو تلك التي تطوّق المعصم. ومادياً فإن ساعات النوم مثل ساعات اليقظة، وساعات الأنس مثل ساعات الكآبة، كلها مسافات زمنية واحدة، لكنها تطول وتقصر  تبعا  للزمن النفسي، أو تبعا لما تتركه تلك الساعات في نفوسنا من  أثر. وسواء كان الزمن الذي نتحدث عنه ماديا أم نفسيا، خفيفا أم ثقيلا، واسعا أم شبيها باللحد، فإن أسوأ الحالات الزمنية هي أن يصبح الفرد سجين سياج قِيَمي ما، يحول الحياة إلى زمن دائري. أسوأ الحالات أن يتحول المرء، في ثنائية السكون والانغلاق تلك، إلى ساعة مبتورة العقارب تعدُّ الزمنَ ولا تشير إليه. وما أكثر أولئك الذين مروا بالحاضر دون أن يكونوا من أهله. يرتدون جلباب الماضي، ويتحدثون بلغته، ويعيشون وفقا لمعاييره، ويصدّرون مآزقه ونزاعاته إلى الحاضر، حيث «يُصنع الحاضرُ بأشخاصٍ ماتوا، ويُصنع المستقبل بكلمات لا حاضر لها»! كما يعبر أحد الشعراء. هل تأملتَ ساعة مبتورة العقارب تعدّ الزمن ولا تشير إليه. إن العد، في هذه الحالة، شبيه بالعيش على هامش الزمن أو خارج جاذبيته، وخارج قضاياه وتطلعاته وهمومه  واهتماماته، أي خارج روح العصر ومنطقه، حيث  يستهلك المرء ولا يضيف،  ويأخذ ولا يعطي، ويعدُّ الزمنَ ولا يشير إليه. إنها حالة شبيهة بالأسْر. أما الإشارة إلى الزمن فتعني الحضور والمشاركة، والتأثر والتأثير، والأخذ والعطاء، والتماس مع المعطى الحضاري الإنساني على اختلافه وتنوعه، والإفادة منه،  والإضافة إليه. وعندئذ ، فقط، يمكننا الخروج من نفق الاختلاف حول «الصوص والبيضة» وأيهما سبق الآخر!