محمد السماعيل

الفساد الخفي

الفساد مرض أخلاقي يفتك بالمجتمعات ، لا تقل خطورته عن الورم السرطاني الذي يفتك بالأجسام، واختراقه لبعض الناس إنما هو مسألة تبدأ من التنشئة القائمة على أخطاء في اكتساب القيم الدينية والاجتماعية والوطنية، والانسان الفاسد سطحي في فهم تلك القيم ولا يكترث لها ؛ لأنه لا يقدرها منذ نشأته ، ولذلك عندما يتعرض الى المغريات الذاتية في غفلة ممن حوله فإنه لا يتوانى عن خدمة طموحاته غير المشروعة، وأثناء ذلك يغيب ضميره تماما ويختفي الوازع الذي ينبغي أن يصده عن ارتكاب "معصية" الفساد.

مع بدء نشاط هيئة مكافحة الفساد المعنية باستئصال هذه الآفة وكشف المنخرطين في صفوفها النتنة ، أجد أن هناك آية كريمة في سورة النبأ ، من المملكن أن تقدم لأعضاء الهيئة خريطة طريق لمكافحة الفساد الذي انتشر في البر والبحر، وهي قوله تعالى :  "إنهم كانوا لا يرجون حسابا" .

في اعتقادي أن على أعضاء الهيئة الموقرة أن يبحثوا عن أولئك الذين (لا يرجون حسابا) ولا يتوقعون محاسبتهم، فمعرفة هؤلاء مفيدة لاكتشاف أعمالهم الفاسدة ، وهذه المعرفة تمنح أعضاء الهيئة مؤشرا أوليا حول أي فاسد محتمل؛ لأننا إذا وضعنا عامل (عدم رجاء الحساب) يمثل عاملا أساسيا في الاشتباه والبحث؛ فإن الفاسد يتبين لنا بوضوحمن المعروف أن عدم توقع الحساب يجعل الإنسان ينفلت في حركة حياته ، غير مهتم بغيره من ابناء المجتمع .. بل وغير مهتم بالمجتمع ، ويكون غير متقيد لا بنظام عقدي أو قيمي ولا غيرهما، ذلك لأنه لا يتوقع حسابا من أحد ، أما إذا توقع حسابا ، سيتذكر أنه سيحاسب على تصرفه ، وهنا ينتظم المجتمع ويخلو من الفساد لأن الناس في المجتمع يتوقعون حسابا.وفي اعتقادي أن على أعضاء الهيئة الموقرة أن يبحثوا عن أولئك الذين ( لا يرجون حسابا ) ولا يتوقعون محاسبتهم، فمعرفة هؤلاء مفيدة لاكتشاف أعمالهم الفاسدة ، وهذه المعرفة تمنح أعضاء الهيئة مؤشرا أوليا حول أي فاسد محتمل ؛ لأننا إذا وضعنا عامل ( عدم رجاء الحساب ) يمثل عاملا أساسيا في الاشتباه والبحث ؛ فإن الفاسد يتبين لنا بوضوح . ربما أن هذا التنويه يصب في مكان ما في هيئة مكافحة الفساد ، أو ربما يصب في وعاء التطوير لأدوات الهيئة وقد يجعلها أكثر هيبة، فأتمنى أن تكون الهيئة بمثابة درة الفاروق عمر بن الخطاب التي كان يعمل لها الجميع ألف حساب . الفاسد لا يرجو حسابا بسبب استهتاره وجهله بالقيم التي تضبط سلوكه وتهذب أدائه للعمل العام ، ولذلك نأمل أن نشهد آليات وأدوات للهيئة تضم مختصين في علم النفس والجريمة وعلماء مرجعيين وخبراء إدارة وأمن لتحليل الحالات المشتبهة والتي تنطبق عليها ( لا يرجون حسابا ) حتى تسهل عملية اصطياد الفاسدين ، ويرتدع غيرهم ، ويستقيم الأمر ، وتحل الشفافية محل الفساد.