«إي والله .. عـندي سالفـة!»
هذا الوضع يتماهى مع ما يجري في ساحاتنا الفكرية الافتراضية، حيث يطلق أحدهم الشائعة، أو الخبر غير المؤكّد، ثم يبدأ في تصديقه، عندما يتواتر نقله لدى عدد كبير من الناس. وما قصة أشعب عن صاحبنا – المدّعي – وعن وضعنا في الساحات الفكرية ببعيد.. عندما أشاع كذبًا أن هناك دعوة عامة إلى العشاء؛ تقام في مكان كذا وكذا. وبعد فترة نسي فيها أشعب إشاعته، مرّ بالموضع نفسه، فرأى الناس قد اصطفوا هناك بحثًا عن تلك المأدبة.. فصدّق هو نفسه أن تلك الجماعات لم تأتِ بتلك الكثرة، إلا لأن شيئًا حقيقيًا يوجد في ذلك المكان، وأن إشاعته ربما تكون صادقة، وإن لم يكن يعلم لها أصلًا.
هل تعلمون ما الذي يحدث في أدمغة أولئك الديماجوجيين؟ ما الذي يجعلهم يكذبون، ويتيقنون أن ما أشاعوه كذب، ثم يصدّقونه لاحقًا؟ هل ينسون ذلك، أم أنه عناد وعدم مبالاة بوجود التعارض بين الموقفَين؟ لا.. أبدًا، ليس شيئًا من ذلك، بل إن ما يحدث أن إفرازات هرمونين مختلفين في وقتين متباينين هو ما يقودهم إلى مثل هذا الوضع.
هل تعلمون ما الذي يحدث في أدمغة أولئك الديماجوجيين؟ ما الذي يجعلهم يكذبون، ويتيقنون أن ما أشاعوه كذب، ثم يصدقونه لاحقًا؟ هل ينسون ذلك، أم أنه عناد وعدم مبالاة بوجود التعارض بين الموقفَين؟ لا.. أبدًا، ليس شيئًا من ذلك، بل إن ما يحدث أن إفرازات هرمونين مختلفين في وقتين متباينَين هو ما يقودهم إلى مثل هذا الوضع. ففي الحالة الأولى يكون إفراز هرمون هو المسؤول عن ازدياد تعاظم الذات، وتضخّم ثقته في التخمينات التي يملكها، نتيجة وجود قرائن؛ ربما لا توصل إلى النتيجة التي يقتنع بها، لو كانت أموره طبيعية. وفي الحالة الثانية يتكفل إفراز هرمون آخر هو المسؤول عن رؤية محدودة جدًا في تحليل الظاهرة. وفي أغلب الحالات يكون التوتر النفسي الذي يشعر به المريض، هو ما يجعل إفراز هذا الهرمون يكون كثيفًا، مما يجعله يقع أحيانًا ضحية لتوهّمه. سآتي لكم بأمثلة فردية وجماعية لهذه الظاهرة.. من الحالات الفردية ما كان يقع لبعض زعماء العالم، الذين أثبت التاريخ شواهد تؤكّد تعرُّضهم لتلك التقلبات.. ربما يكون أشهرهم الزعيم النازي أدولف هتلر، الذي كان يصف مقرّبون منه، بأنه كان يعاني في بعض أوقاته من ضبابية في الرؤية نتيجة عدم قدرته على ربط القرائن، وتقدير حجمها بشكل صحيح.. وفي أوقات لاحقة يصدق بعض المقولات التي أطلقها نتيجة تلك الرؤية، والتي يوكل بثها إلى رئيس دعايته جوبلز. والحالة الثانية تعرفونها في أوقات حرب الخليج الثانية، التي كان بطلها وزير الإعلام العراقي المشهور في نظام صدام حسين (محمد الصحاف)، الذي أصبح ماركة مسجّلة في إطلاق بعض التقارير ذات الصلة الضعيفة جدًا بالواقع. ومع كثرة تكرارها، وإيمانه بقدرات قائده الفذ، ومصدر بياناته، فإنه – فيما يبدو – كان يصدق تلك المقولات، ويتحدث عن وقوعها بكل حماس وثقة، وكأنها حقائق على أرض الواقع. أما الحالة الثالثة، فهي معاصرة لنا هذه الأيام، وبطلها المندوب السوري في الأمم المتحدة، الذي لم أصدّق أن شخصًا عاقلًا، ويعيش في العالم الحر، ويختلط بمندوبي العالم وسياسييه، ويشاهد كل وسائل الإعلام الممكنة – خلافًا للصحاف – في نيويورك؛ يمكنه أن يتبنى مثل تلك الأكاذيب المضحكة.. فهي سخافات ردّدها كثيرًا وزير الخارجية السوري وليد المعلم، وأعاد تصفيفها رئيس النظام – بشار الأسد – ويكرّرها بشار الجعفري (اللهم لا تجمع على الشعب السوري بشارَين!) في اجتماع مجلس الأمن قبل شهرين، ويُعيدها هذه الأيام. ولو لم يصل هؤلاء إلى مرحلة التصديق الكامل لتلك الصور التي نسجتها مخيّلاتهم، لما رأينا الحماس على وجوههم، والاستغراب على قسَماتهم ممن لم يصدّقهم في ذلك. فهل يعود البشر جميعًا إلى تعلّم المنطق، ليفهموا هؤلاء الشواذ؟ أما الحالات الجماعية لهذه الظاهرة، فتمثلت قديمًا في الحشاشين، الذين يتناولون الحشيش، وحديثًا في الانتحاريين، الذين يتعاطون وعود الدغمائيين؛ فيتوهّمون أنهم قادمون إلى الجنة. عند ذاك يقومون بما هو مطلوب منهم تنفيذه من اغتيالات، أو القيام بأعمال انتحارية.. ألا يوجد حل طبّي لمنع إفراز تلك الهرمونات، وتوفير أرواح البشر التي تذهب هباء؟