مَضاربُ الفرنجة الإلكترونية
وفي ذلك السجال يحاول كل طرف أن يُسقط قِيَمه الخاصة على الطرف الآخر عبر خطاب متشنج، حتى ليخال المتابع أن موقع (تويتر)، على سبيل المثال، قد اشتق اسمه من (التَّوتّر) وليس من التغريد Twitting. فمن أين يستمد ذلك (الشَّحن) طاقته؟ وهل لسنوات التنشئة الأولى في البيت حيث التسلط وانعدام الحوار، أو في المدرسة حيث التلقين وتكريس أحادية الرؤية، دور في ذلك الخطاب المحتقن؟
يستطيع المتأمل في طريقة التخاطب بين المغردين الفرنجة أن يلاحظ أن الحرية التي يتمتعون بها حرية منضبطة إلى حد ما، قد تنحرف عن مسارها أحيانا، إلا أن ذلك هو الاستثناء وليس القاعدة.
دفعني الفضول إلى استطلاع مواقع تغريد الفرنجة، لعلي أجد ما يشابه ذلك. تسكعت بشكل عشوائي في مَضَارِب القوم الإلكترونية. لم تكن هذه هي الجولة الأولى في تلك المضارب، فقد شهدتُ قبل سنوات سجالا إلكترونيا أمريكيا فرنسيا في فترة كانت العلاقات بين الطرفين ليست ودية. كان القوم، آنذاك، يتراشقون بالنكات. وهو تراشق ظريف يرسم ابتسامة على شفة القارئ، ولا يرفع ضغطه، فالضحك يقلل نسبة التوتر، و.."الفكاهة تعلمنا على رحابة الصدر"، كما يقول سومرست موم. وإذا غضب الطرف المقابل فهنالك فرصة للتراجع تتيحها عبارة "ما احنا كنا بنهزَّر"!تجاوزتُ تغريدَ الحمائم التي تتحدث عن الاهتمامات اليومية، لكن استوقفتني تغريدة تناسب هذا السياق تقول: "كن الحل وليس المشكلة.. حاول أن تحب، وتذكر أن اللطف لا يكلف شيئا"! تجاوزتُ ذلك، وبحثتُ في صفحات صقور الفرنجة، لكني وجدت التعليقات، ورغم سخونتها وتحاملها، أقرب إلى النكات. وهي جميعها موجهة ضد العرب واليهود والسود والمكسيكيين وجنسيات أخرى. لفتت انتباهي عبارة مغرد من الصقور تقول: "لستُ عنصريا ولكن الناس في الشرق الأوسط لا يعملون شيئا سوى حرق الأعلام وإطارات السيارات والتراشق بالحجارة"! عبارة تبدو "متحاملة" لكنها ليست بعيدة عن الواقع. وما خفي على قائل تلك العبارة أعظم. لكن أجمل ما في الأمر أنه لا يعرف اللغة العربية وإلا لاكتشف أن التراشق قد وصل إلى الإنترنت، ولكن بحجارة إلكترونية قوامها الكلمات. يستطيع المتأمل في طريقة التخاطب بين المغردين الفرنجة أن يلاحظ أن الحرية التي يتمتعون بها حرية منضبطة إلى حد ما، قد تنحرف عن مسارها أحيانا، إلا أن ذلك هو الاستثناء وليس القاعدة. من الأمثلة على الإساءة إلى مفهوم حرية التصرف والتعبير ما نشر قبل أيام عن شكوى أقامها مواطن أمريكي ضد رجل مسلم. فقد أعطى القاضي مارك مارتن من بنسلفانيا مواطنه الأمريكي ايرنست بيرس درسا في معنى الانضباط عندما أسقط الاتهامات التي وجهها بيرس ضد رجل مسلم، وقام القاضي بتوبيخ بيرس ونعته بالأحمق قائلا: «أعتقد أن آباءنا المؤسسين عندما وضعوا التعديل الأول من الدستور (الذي يضمن حرية التعبير) كان هدفهم التعبير عما نفكر به، وليس إهانة الأشخاص وثقافتهم كما فعلت"! وتلك هي مشكلة من يسقط قِيَمَه الخاصة على الآخرين. وبعد، للحصول على حساب في تلك المواقع الإلكترونية يضع الموْقِعُ مجموعةً من الشروط والضوابط التي تحظر العنف والتهديد وسوء الاستخدام، وانتهاك القوانين، والإساءة للآخرين. وهي شروط يوافق عليها كثير من المستخدمين دون أن يطَّلعوا عليها، إما لأنهم لا يأخذونها مأخذ الجد، أو لأنهم ممن يتبع العبارة القائلة: "تُسنُّ القوانين لتُنتهك"!.