د. فالح العجمي

حوار مع الدالاي لامـــا

حزنت عندما قرأت حوار رجل الدين البرازيلي ليوناردو بوف مع حكيم التيبت الدالاي لاما على طاولة مستديرة للنقاش عن الدين والحرية.. فقد كان سؤال بوف: ما أفضل الأديان يا سماحة الدالاي لاما؟ ويردف (بوف): كنت أظنه سيقول: بوذية التيبت أو الأديان الشرقية الأقدم من المسيحية.. لكنه أجاب: الدين الأفضل هو الدين الذي يقرّبك أكثر من الرب.. وهو الذي يجعل منك إنسانًا أفضل. ثم يقول بوف: ولأخرج من إحراجي جراء تلك الإجابة الحكيمة، سألته: ما الشيء الذي يجعل مني إنسانًا أفضل؟ فأجاب: الذي يجعلك رحيمًا أكثر، ومدركًا أكثر، بعيدًا عن التحيّز أكثر، محبًّا أكثر، إنسانيًا أكثر، مسؤولًا أكثر، أخلاقيًّا أكثر.. فالدين الذي يصنع لك ذلك هو الدين الأفضل. أنا لست مهتمًا – يا صديقي – بدينك، أو إن كنت متدينًا أم لا.. ما يهمّ – فعلًا – بالنسبة إليّ هو سلوكك أمام أقرانك وعائلتك، وبيئة عملك، وأمام العالم.. تذكّر أن الكون صدى لأفعالنا وأفكارنا. فقانون الفعل وردّ الفعل ليس أمرًا خارجًا عن الوجود الفيزيائي.. وهو أيضًا مرتبط بالعلاقات الإنسانية.. إذا عملت خيرًا، فسأجني خيرًا، وإذا فعلت شرًا، فسأجني شرًا. ما قاله لنا أجدادنا هو الحقيقة الخالصة: أنك دائمًا تحصل على ما تتمناه للآخرين.. فالشعور بالسعادة ليس أمرًا مرتبطًا بالمصير، بل هو أمر يدخل في حيز الاختبار. وأخيرًا قال: انتبه لأفكارك، لأنها ستصبح كلمات،     انتبه لكلماتك، لأنها ستصبح أفعالًا،         انتبه لأفعالك، لأنها ستصبح عادات،     انتبه لعاداتك، لأنها ستشكّل طباعك،         انتبه لطباعك، لأنها ستشكّل مصيرك،     ومصيرك سيكون حياتك ..         لكن سماحته لم يقل أين هي الحقيقة! هذه هي العظمة! فهذا الرجل هو من طراز المهاتما غاندي، لكنه في الوقت نفسه يمثل رأس المنظومة الدينية البوذية في العصر الحاضر.. مع ذلك لم ينتقص الأديان الأخرى، ولم يُشر – حتى تلميحًا – إلى تميّز الدين الذي هو الممثل الأول له.. ألا يدلّ ذلك على سعة أفق وحكمةٍ عميقة؟ فقد فوّت على رجل الدين المسيحي، الذي أجرى معه الحوار فرصة المقارنة، وخالف توقعاته.احترام الآخر لا يعني اندماجًا في أفكاره ومعتقداته، ولا يؤدي بالضرورة إلى التخلي عن الخصوصية الإيجابية، التي هي احترام الذات والاعتداد بما لدى المرء من أفكار وموروث بنّاء، لكن دون الافتخار به أمام الآخرين، والنظر إلى ما لدى الغير بأنه دوني وخطأ محض.فهل توجد نماذج لدينا قريبة من هذا الاتجاه؟ هل يوجد من رموز المؤسسة السياسية أو الدينية في بلداننا تاريخيًا من يصل إلى هذه المرحلة من التسامح؟ في الواقع أن بعض حكام المغول في القرن السادس عشر الميلادي قد حاولوا خلق الوئام بين الهندوسية والإسلام. فقد ترك السلطان ظهير الدين محمد بابر عهدًا شبيهًا بالعهد العمري الشهير.. ومن بنود هذا العهد دعوته ابنه إلى عدم تغليب انتمائه الديني في تسيير الشؤون الإدارية للدولة، وإلى عدم ذبح البقر، وعدم هدم أي مكان للعبادة لغير المسلمين، وإلى نشر الإسلام عن طريق المحبة، وإلى تجاوز الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة. وقد تبنّى هذا العهد ابنه «همايون» وبعده أيضًا السلطان جلال الدين محمد أكبر، الذي توّج سياسة التسامح هذه ببناء مركز ديني سمّاه «عبادات خان» (بيت العبادة). وفي سنة 987هـ عقد مؤتمرًا للأديان، ليتم التقارب بينها؛ مما يعني أنه كان رائدًا فيما يسعى إليه العالم اليوم من حوار الأديان وتقارب الثقافات. وفي الاتجاه نفسه سارت دعوة مالك بن نبي إلى تحالف حضاري بين المسلمين والهنود، لإيجاد «منطقة حرام» بين المعسكرين الغربي والشرقي. إنها دعوة إلى كل فرد من المجتمع أن ينظر إلى كل مختلف معه نظرة احترام؛ سواءً كان ذلك الاختلاف عرقيًًا، أو فكريًا، أو أيديولوجيًا، وبدءًا من الجار والزميل والعابر، إلى مَن لا يعرفه من سكان الأرض الأبعدين، وذوي الأفكار والمذاهب والأديان الأخرى.. فاحترام الآخر لا يعني اندماجًا في أفكاره ومعتقداته، ولا يؤدي بالضرورة إلى التخلي عن الخصوصية الإيجابية، التي هي احترام الذات والاعتداد بما لدى المرء من أفكار وموروث بنّاء، لكن دون الافتخار به أمام الآخرين، والنظر إلى ما لدى الغير بأنه دوني وخطأ محض.. وهي رسالة في الوقت نفسه إلى مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، لتنمية هذه النقاط على وجه الخصوص في مداولاتهم، أو في نشرات إعلامية وتعليمية؛ لا بد أن تلقى دعمًا سياسيًا واجتماعيًا، إن كنا نريد إنقاذ مجتمعاتنا من الانحدار إلى ما بدأ في بعض البقع غير بعيدٍ عنا.