«التفحيط» بلسان سليط !
يرى المعارضون لهذه الهواية أنه إذا كان اللعب تدريبا على اكتساب المهارات، وتنمية القدرات، فالتفحيط مهارة متواضعة لا تصقل الذهن، ولا تشحذ المخيلة، ولا تخلق لياقات بدنية. إنه شكل من أشكال سدّ الفراغ بطريقة غير منتجة. وقد يكون للشباب وجهة نظر أخرى مختلفة، كما أن هذا المقال لم يكتب لانتقاد تلك الهواية.
إن استخدام التقنية في غير أغراضها الصحيحة ليس حِكْرا على الشباب. كما أن التفحيط ليس قاصرا على قيادة السيارات، وربما اتخذ في مجتمعنا صورا أخرى. وقد لا تشكل استعراضات الشباب لمهاراتهم في التفحيط إزعاجا مقارنة بأشكال التفحيط الأخرى.ما أريد أن أصل إليه من هذه المقدمة هو أن استخدام التقنية في غير أغراضها الصحيحة ليس حِكْرا على الشباب. كما أن التفحيط ليس قاصرا على قيادة السيارات، وربما اتخذ في مجتمعنا صورا أخرى. وقد لا تشكل استعراضات الشباب لمهاراتهم في التفحيط إزعاجا مقارنة بأشكال التفحيط الأخرى. ويأتي (التفحيط اللغوي) مثالا صارخا على سوء استخدام التقنية الحديثة في غير أغراضها الصحيحة. فإذا كان المفحّط الشاب يثير بسيارته زوبعة من الغبار والدخان والصخب في وجوه المارة، فإن هنالك من يثير على مواقع الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي صخبا وغبارا ودخانا أكثر إزعاجا. أما تفحيطات المرضى بغيرهم فهي أخطر على المجتمع وعلى تماسكه وانسجامه من عبث مراهق في الطرقات. هنالك تجد لغة مأزومة ومتخمة بالبذاءات، كما تجد مُفحِّطين وقد حوّلوا المواقع الإلكترونية من نوافذَ للتواصل الثقافي وجسورٍ للتقارب الاجتماعي إلى ساحات للاحتراب، و»مكبَّات» لتفريغ شحنات الاحتقان، فكأننا نشهد داحس وغبراء إلكترونية موجهة ضد كل صوت لا يساير الجوقة في سلوكها، ولا يتناغم صوته مع صوتها. وللإنصاف فإن تفحيط الشباب بسياراتهم أكثر إتقانا ومهارة من مفحطي المنابر الإلكترونية، فمن هؤلاء من لا يجيد كتابة جملة واحدة دون أن تكون مثخنة بالجراح النحوية والإملائية، ولا يستشهد أحدهم ببيت شعر إلا وأزعج الخليل بن أحمد في لَحْدِه، لما يلحق بالوزن من تشويه. أما إذا تأملتَ المضمون فستردد قائلا: «يا ليل ما أطولك»! تلك حالة تسبق النضج سواء على المستوى الفردي أم الاجتماعي، عبَّر عنها بسخرية الكاتب الروماني سيوران عندما تساءل في مرحلة من مراحل النضج: كيف استطاع الفكاك من سُعار النظرة الأحادية إلى الأشياء؛ وسُعار ادعاء امتلاك الحقيقة، وسعار الرغبة في تصفية الآخر، وكيف بدأتْ تظهر عليه علامات التسامح: «حتى أحقادي، منبع بهجتي، أخذ أوارها يخبو، وأخذتْ نارها تتناقص يوما بعد آخر.. أصبح الآخر يبدو لي ممكنا وحقيقيا»! والسؤال هو: كم يلزم من وقت لتحين مرحلة النضج تلك؟ أم أنه قد كُتِبَ علينا أن نردد طويلا عبارةَ: يا ليل ما أطولك!