حسن السبع

الحُوَاة.. وكلمة السِّر المفقودة

«إنه لمن العذوبة أن يسلّم قرويٌّ في نهاية عهده أبناءَه نصيبَهم من الماعز والزيتون، كي ينقلوه بدورهم إلى حفدتهم»! بهذه العبارة البسيطة يلخّص الكاتب الفرنسي أنطوان ده سانت اكزوبري معنى المشاركةِ في البناء وعمارةِ الأرض.

 وفي سياق آخر يميز  مؤلف (أرض البشر) بين مِيْتَتَين فيقول: «الذي يموت من أجل تقدم المعارف، أو شفاء الأمراض، مثل هذا يخدم الحياة في الوقت نفسه الذي يموت فيه»!.القروي يشارك بما يتركه للأبناء والأحفاد من ماعز وزيتون، والعالم يشارك بحصاد تجاربه العلمية، والفنان بإبداعاته، ففي العمل المنتج استمرار لدورة الحياة. مثل ذلك القروي لا يموت إلا نصف مِيْتَة، كما يقول، لأن جزءا من حصاد حياته سيبقى متوارثا بين الأجيال. و.. «الناسُ اثنان موتَى في بيوتِهمُ.. وآخرونَ ببطنِ الأرضِ أحياءُ»!لكن، يحفظ لنا التاريخ أمثلة كثيرة على مِيْتَات لم تخدم غرضا جميلا من أغراض الحياة، بل ساهمت في زيادة الشقاء. من أولئك الموتى من صنع من نسيج العنكبوت شارات وأعلاما وجاد بنفسه في سبيلها، ومنهم من دخل نفقَ كذبةٍ وعدته بلبن العصافير، ومنهم من خاض صراعات نيابةً عن الأسلاف. إزاء ذلك المصير الهزيل يتذكر اكزوبري مِِيْتَة بستاني مشدودٍ بالحب والأمل إلى الأرض، وإلى شجر الأرض.  يموت القروي وقد سلّم أبناءه شجر الزيتون وقطيعا من الماشية، وقد يموت العالم في مختبره مخلفاً وراءه كشفا علميا يخدم به البشرية، ويموت المبدع تاركا وراءه عملا جماليا خالدا.

للحواة حناجر مجلجلة، ولهم قدرة على الإنشاء تدهش العامة، ولا شيء غير ذلك. مع ذلك، فإن لغتهم، وبالرغم من فقرها المعرفي، تبدو أكثر تأثيرا. فالعامة ليست مهيأة تربويا أو ثقافيا إلا لسماع ذلك الخطاب. والحب هو كلمة السّر المشتركة بين هؤلاء؛ حب الحياة وحب الإنسانية جمعاء. و.. «من زرع المحبة جنى الحياة» كما يقال. فماذا خلَّف الحواةُ من بائعي الكلام، ومروجي الأوهام؟ لا شيء!! ذلك أنهم لم يكتشفوا كلمةَ العبور إلى فردوس المحبة؛ ذلك الفضاء الذي يتسع لكل البشر، بل أطلوا على مشهد الفوضى من الأعلى بعيون أشبه بعيون التماثيل، لا ليمجدوا الحياة، أو ليحضوا على المشاركة في البناء وعمارة الأرض، أو ليحققوا الحب والتناغم والانسجام، بل ليشغلوا الناس بسجال لا ينتهي حول هامش الهامش،  وليزينوا في عيون المريدين «التناهش» بدلا من التعايش. وبخلاف ذلك القروي، فإنهم يموتون مِيتةً كاملة، لأنهم لا يتركون وراءهم أثراً نافعا.للحواة حناجر مجلجلة، ولهم قدرة على الإنشاء تدهش العامة، ولا شيء غير ذلك. مع ذلك، فإن لغتهم، وبالرغم من فقرها المعرفي، تبدو أكثر تأثيرا. فالعامة ليست مهيأة تربويا أو ثقافيا إلا لسماع ذلك الخطاب. لِكُلّ تلك الأسباب وغيرها يمكن القول إن نجاح أولئك الحواة مرهون بغياب الوعي. أي أنه كلما ازداد المجتمع ثقافة ووعيا قلَّ ذلك التأثير. ويمكن، كذلك، التذكير بحكمة المتنبي القائلة: «أُعِيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً/ أن تحسبَ الشحمَ فيمن شحمُهُ ورَمُ»!وحدهم الذين يرون بشكل أوضح وأعمق يستطيعون التمييز بين الشحم والورم، ووحدهم الذين يَعُونَ تلك الحقيقة يصابون بالذعر من النتائج المترتبة على ذلك التحالف بين الحواة والعوام. فلا يوجد في ذلك التحالف، وقد فَقَدَ كلمةَ السّر، فرجةٌ ليتسلل منها ضوء المحبة. ولا يوجد ضمن ذلك التحالف شيء نافع لاستمرار الحياة. hsn_saba@hotmail.com