د. فالح العجمي

دهلـــيز معــاليــه!

ربما سمع بعضكم بالمثل الذي يقول: «إذا حجَّ البقر على قرونه»، ويضرب المثل في استحالة حصول الحالة مقارنة باستبعاد أن يحج البقر إلى مكة، وليس مشيًا، بل مقلوبًا بكون القرون هي وسيلة المشي.. فتكون الاستحالة مركبة: أن يريد البقر الحج، ويستطيع أداءه، وأن يصل إلى هناك سائرًا على القرون.

الخلاصة أن المجاز في تشخيص الأشياء، وتحويل الجامد إلى متحرّك، يساعد الناس على تهوين مشكلاتهم، وتصوير أفكارهم للآخرين؛ فالاستيعاب اللغوي لا يتم إلا بواسطة تحويل الدوال إلى مفاهيم. وفيما يخص المجاز في معاملات الناس في الأجهزة البيروقراطية، ابتكر السعوديون بعض العبارات، التي يصوّرون من خلالها مفاهيمهم بشأن تعاملهم مع مَن يدير شؤونهم المعيشية والتنظيمية. أشهر تلك العبارات ما يطلقونه على انتقال المعاملة من شخص أو من مكتبٍ إلى آخر من مثل: «تمشي المعاملة»، أو «سير المعاملة»، مما يعني أنها امتلكت (مجازيًّا) صفات الكائن الحي. لكن مشي تلك المعاملات أو سيرها يتفاوت من مرحلة إلى أخرى؛ فعند موظف الاستقبال أو صغار الموظفين تسير سيرًا حسنًا، ويكون ركضها كالأطفال في سن عنفوانهم (سريعًا وبتهور في بعض الحالات). أما في المكاتب الأعلى، أو لدى الموظفين الكبار (أو من يظنون أنهم كبار)، فالأمر مختلف: تبدأ التعقيدات تتزايد، والطلبات تكثر، والتأخير يتعاظم؛ إلى أن تأتي مرحلة الإصابة بالشلل (حيث لا تركض ركض الأطفال، ولا حتى مشي الشيوخ). حينذاك تسمع عبارات ماكرة أو مقنعة في حالات أقل، ومحبطة في حالات كثيرة لمن لا تساعده ظروفه على الانتظار الطويل، أو التردد المستمر على جهة بيروقراطية أقفلت الباب على أوراقه، ونزعت عنها الروح التي كانت تمكنها من المسير بحيوية الأطفال المفرحة في بداية الأمر، ثم بوقار الشيوخ المقبول في المراحل التالية لها. ماذا يجري لها بعد الإصابة بالشلل؟ تتعدَّد التشخيصات: معاملتك في العرض! الأمر تحت الدراسة! «يبي لها وقت!» (كم الوقت؟ لا يهم، المهم أن تنصرف).

لا عليكم أيها الناس! اتركوها مخبوءة في دهاليز المعالي تنتج ما لم تكونوا تتصورون! فإن كانت بشأن منحة أرض، فهي ستكون على أربعة شوارع في قلب المدينة، وستنبع فيها بئر نفط؛ وإن كانت بشأن وظيفة، فهي ستكون من وظائف القيِّمين على تلك الدهاليز، والتي سيحصل الحاصل عليها على مثل تلك المنحة.. إلخ.. فالصبر – أيها السيدات والسادة – مفتاح الفرج.

الكارثة تحل، عندما تصل المعاملة (مشيًا أو دفعًا) إلى رأس الهرم، أو مكتب معاليه. فالعبارات التشخيصية تختفي، ولا أحد يعلم عنها؛ إن كانت حية أم ميتة (وليس فقط إن كانت قادرة على المشي، أم مشلولة). بل إن بعض مكاتب المعالي، لا تعلم إن كانت المعاملات موجودة فيها، أم لا. فهي دهاليز مظلمة يقوم عليها موظفون ناعمو الملمس، أشداء جفاة؛ يتقنون التخريجات، وتهيئة الأجواء لمعاليه، أكثر من العمل، إن كانوا يعملون أصلًا غير ذلك. تذكِّرني هذه الدهاليز، التي تختفي فيها المعاملات بما يتواتر في الفكر الهندي القديم عن تضاعف قوة مَن يشتغلون في المعابد على خدمة الكهنة، بسبب قوة خارقة تمنحها لهم الآلهة، بعد دخولهم إلى دهاليز المعبد المظلمة. فهل ينتظر أصحاب المعاملات التي دخلت إلى دهاليز معاليهم أن تصبح تلك المعاملات من النوع الأسطوري الخارق على غرار ما يحصل لهؤلاء بعد دخولهم إلى دهاليز المعبد، ثم خروجهم إلى خدمة الكهنة. ستشفى المعاملات بعد خروجها من دهليز معاليه، وتتضاعف نتائجها. إذًا لا عليكم أيها الناس! اتركوها مخبوءة في دهاليز المعالي تنتج ما لم تكونوا تتصورون! فإن كانت بشأن منحة أرض، فهي ستكون على أربعة شوارع في قلب المدينة، وستنبع فيها بئر نفط؛ وإن كانت بشأن وظيفة، فهي ستكون من وظائف القيّمين على تلك الدهاليز، والتي سيحصل الحاصل عليها على مثل تلك المنحة... إلخ. فالصبر – أيها السيدات والسادة – مفتاح الفرج. نسينا أن نشرح أعراض شللها النصفي أو الرباعي، قبل أن تتحوّل إلى «خارقة». فالمعاملة تصبح غفلًا من الأرقام ، ولا يسمح بأن يسير معها، أو يدفعها أحد من مراجعيها؛ إذ لا بد أن يقوم عليها الجلاوزة الغلاظ الشداد، وأن يعتني بها القائمون على ذلك الدهليز المقدَّر. حيث يلزم أن تحصل على مسحة تقدير؛ تسمح لها بأن توضع على طاولة معاليه، أو أن يتولى النظر فيها سكرتير مدير مكتب معاليه. فهل من سبيل إلى إصلاح وضع تلك الدهاليز، أو حصرها فيما يصلح من الأمور للتقدير؟ وهل إلى خلاص ذوي الحاجة من مكر الجلاوزة من سبيل؟ لا أظن ذلك ممكنًا، إلا إذا حج البقر على قرونه. فاللهم إذًا دهلزنا برحمتك!