تويتر والأغاريد النشاز!
لكن، لنحصر الكلام في مجال حرية التعبير، وفي الفرق بين الكلمة والكلمة/ المخلب، فقد كان المعنى الخلاّق، ولم يزل، مرتبطا بما تحمله الكلمة من شحنات مضيئة، فإذا تحولت الكلمة إلى مِخْلب لم يعد التمييز بينهما ممكنا. كذلك، لم تستطع لغة العنف على مر العصور تثبيت قيمة جميلة، أو إرساء معنى من المعاني المضيئة.الكلمة نافذة قد تُفتح فيتسلل منها النور والهواء والجمال، وقد تدخل منها الأدخنة والسموم والثعابين. اليوم، وقد أتاحت ثورة الاتصالات فرص التعبير والتواصل بشكل غير مسبوق، ولكي تخلي بعض المواقع الالكترونية جانبها من المسؤولية عما يتسلل من تلك النافذة، تلجأ إلى تدوين العبارة التالية: «الآراء أو التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع».
الحرية ليست ترفاً أو مطلبا ثانويا، فليس من قبيل الترف أن يعبِّر المرء عن نفسه بوضوح، ويختار طريقة تفكيره دون وصاية. لكن الحرية مسؤولية والتزام لا يتحقق إلا بالوعي.والسؤال الذي قد يتبادر إلى ذهن القارئ هو: هل تعفي تلك الإشارة الموقعَ من مسؤولية تمرير بعض الآراء التي تحض على الكراهية، وتحرض على العنف، وقد تساهم في إشاعة الفوضى؟ وكيف يمكن تبرير الانتقائية العجيبة في اختيار ما ينشر وما لا ينشر في ظل عبارة أخرى (تكاد تناقض العبارة الأولى) تقول: «تعليق مخالف لقواعد النشر»؟ أما السؤال الثاني فهو: هل تعتبر التعليقات المحرضة على الكراهية جرائم إلكترونية، أم أنها شكل من أشكال حرية التعبير؟ الحرية ليست ترفا أو مطلبا ثانويا، فليس من قبيل الترف أن يعبِّر المرء عن نفسه بوضوح، ويختار طريقة تفكيره دون وصاية. لكن الحرية مسؤولية والتزام لا يتحقق إلا بالوعي. وهي حسب تعريف مونتسكيو «حق الفرد في أن يفعل ما يشاء ضمن القانون»، وذلك في حال وجود قوانين واضحة لا تقبل أكثر من تأويل، ولا تتيح مجالا للاجتهاد. وفي تلك الحال فإن مخالفة القانون لا تندرج تحت مسمى الحرية. للحرية معنى زئبقي، وقد تُرتكب باسمها أخطاء قاتلة، وهي موضوع جدل فلسفي دائم، لكنَّ خطوطها العريضة واضحة. والسؤال الثالث هو: هل يستحق الحرية من يحمل في رأسه معنى مشوّشا عنها؟ أم أن ذلك الاستحقاق مرهون بالوعي وبالمسؤولية معا؟ في تعريف طريف للحرية يقول (لانس فورد): «أقرب وصف للحرية أنها حيوان قوي يقتحم الحواجز، ويجعل الناس، في بعض الأحيان يتوقون إلى سياجات أعلى». قد تأتي تلك السياجات على شكل قوانين تنظم العلاقة بين مختلف الحريات؛ بين حريتي وحريتك التي ينبغي أن تُكبح عندما تبدأ حرية الآخرين. ويا لها من مفارقة عجيبة تجعل القيودَ شرطاً لتحقيق الحرية! أو «تخنق الحريةَ من أجل الحرية» كما يعبر أحد المفكرين. نعم، في غياب تلك القيود تتحول الحرية إلى فوضى. والسؤال الرابع والأخير هو: هل كان قرار تويتر بفرض قيود على أغاريد بعض المستخدمين مخالفاً لمبدأ حرية التعبير؟