خالد الشريدة

الفيتو الذي أحرق ســوريا

لم يجد الرئيس السوري بشار الأسد أي حرج في مواصلة سياسته القمعية عقب الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن الذي أعاق قرارًا دوليًا يدعو لإنهاء سياسة العنف التي يتبعها ضد شعبه، وهو بذلك يؤكد إدارته غير الأخلاقية للأزمة التي يعيشها ويعانيها الشعب السوري، وللحقيقة ما من نظام أو رئيس أو زعيم عبر التاريخ نجح في البقاء في الحكم رغم أنف الشعب، والكن يبدو أن الأسد الصغير أصغر من استيعاب حركة التاريخ.

لم يكن الفيتو غير الأخلاقي رخصة بالقتل، وإنما مجرد مسكّن لعملية تحوّل وتغيير ستطال الأسد ونظامه لا محالة، فدولة الظلم ساعة، وإن استخدمت روسيا هذا الفيتو لاعتبارات تتعلق بمصالحها فإنما في الواقع عمدت لتأخير انهيار النظام حتى ترتب أوراقها ومصالحها، فليس في سوريا الأسد ما يبقيها بعيدًا عن الضغط الدولي أو ذات مصالح إستراتيجية مع روسيا إلى ما لا نهاية.أيّا كانت رهانات الرئيس السوري على الدعم الروسي والصيني فذلك لن يطول، وهو في الواقع يرتكب مزيدًا من الأخطاء الإجرامية في حق شعبه الذي يزداد صلابة مع كل رصاصة تقتل شيخًا أو صبيًا أو امرأة لا يضعهم الأسد في ذمته التي فسدت ببطشه وقمعه وطغيانه، وإن عجزت الأمم المتحدة عن صياغة قرار يلزمه بإيقاف مجازره، فالضمير العالمي يراقبه ويعزله ويضعه في الدائرة الضيقة.

يجب تطوير المواقف الداعمة للشعب السوري بحيث تشكّل عنصر ضغط متواصل يستنزف قدرة النظام السوري على البقاء، وهذا الضغط يكون أكثر فاعلية عندما يكون عربيًا، بطرد سفراء النظام وسحب البعثات الدبلوماسية وإقرار عقوبات اقتصادية، وتسليم ملفات جرائم النظام إلى محكمة الجنايات الدولية، وتسخير وسائل الإعلام لفضح الجرائم اليومية.

قد لا يرتجى شيء من الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد الذي كان من أمر الفيتو، فهذا المجلس قد فشلت في تحقيق أهدافها بحفظ الأمن والسلم الدوليين، والدليل أن جزاري الشعوب يجدون مَن يحميهم ولا يحاسبهم، والحقيقة أن واقع الحال يثبت ما قاله خادم الحرمين الشريفين من أن ثقة العالم اهتزت في الأمم المتحدة. إن إرادة الشعوب حتمًا أقوى من أي طاغية، وفرعون انتهى إلى أسوأ الأحوال، وكذلك نيرون وهتلر وموسوليني وغيرهم ممن تحتفظ بهم مزابل التاريخ القديم والحديث، كلهم انهاروا أمام الإرادة الشعبية، ولكن هناك من لا يتعلم، ويعميه الطغيان عن إدراك الحقائق التي تتسرّب بين عينيه وهو يظن أن الدماء تطفئ آمال الشعوب في الحرية والانعتاق من الظلم.روسيا والصين لن يحميا الأسد الصغير ونظامه، فيما العالم كله يستنكر ويشجب ويدين ويرفض هذا القتل المجاني لشعب أعزل كل مطلبه أن يتنحّى هذا الرئيس الذي لم يعُد كذلك، فالرئاسة مسؤولية أخلاقية تتطلب اتخاذ القرارات الصعبة في اللحظات الحرجة، وليست هناك من لحظة أكثر حرجًا أن يخرج الشعب ليلًا ونهارًا مطالبًا بتنحّي الرئيس، ولا يُبالي بموته يوميذًا بالعشرات، وذلك يعني أنه لن يتراجع، فما الذي يبقى له بعد ذلك؟ لا شيء، فقط قرار بإعلان التنحّي وإيقاف هدر دماء الشعب وترك السلطة له، وإن لم يفعل ذلك طائعًا وعاجلًا، فسيفعله مجبرًا وآجلًا ومعه ثمن غال لأرواح كل أولئك الضحايا الأبرياء.ينبغي أن يجد نظام الأسد الصغير كل ضغط ممكن من المحيط العربي والدولي، وزيادة عزلته وإجباره بمقترحات الجامعة العربية حول إرسال قوة مراقبة عسكرية أممية عربية، وعلى المجلس الوزاري العربي أن يبقى في حالة تشبه الانعقاد الدائم لمتابعة الوضع، فالشعب السوري الذي يرسل يوميًّا رسائل إلى القادة العرب لإنقاذه من براثن هذا النظام الوحشي، وقد كانت كلمة سمو الأمير سعود الفيصل في اجتماع المجلس الوزاري العربي عبارة عن رسالة تنبض بإحساس كل مواطن سوري وعربي ومسلم.يجب تطوير المواقف الداعمة للشعب السوري بحيث تشكّل عنصر ضغط متواصل يستنزف قدرة النظام السوري على البقاء، وهذا الضغط يكون أكثر فاعلية عندما يكون عربيًّا، بطرد سفراء النظام وسحب البعثات الدبلوماسية وإقرار عقوبات اقتصادية، وتسليم ملفات جرائم النظام إلى محكمة الجنايات الدولية، وتسخير وسائل الإعلام لفضح الجرائم اليومية التي يقوم بها النظام، فالتعامل لم يعُد سياسيًا وإنما مع إجرام غير مسبوق وضحايا أبرياء ينتظرون أن ننتصر لهم ومعهم على أحد أسوأ الأنظمة قمعًا وظلمًا.صحيح أنها مسألة وقت قبل أن يسقط النظام، ولكن حتى ذلك الحين ينبغي أن يتوقف القتل والتعذيب، فالوجه غير الأخلاقي تكشف مع أول قطرة دم لسوري حُر يبحث الانعتاق عن الظلم والجبروت، وهي صورة مأساوية على مشهد من العالم لا ترضي كل صاحب ضمير، فصبرًا شعب سوريا، قريبًا يلوح نور الصباح وفجر الأمل بسقوط طاغية دمشق.