واحد جنّي.. وصلّحـووووه!
وما أثار استغرابي مؤخرًا، أنني قرأت إعلانًا تجاريًّا يطلب صاحبه شراء منزل تسكنه «الجن». هل هي طرفة، أم استغلال عقلاني لخوف الناس الشديد من هذه الكائنات التي لا توجد إلا لدينا، أم لأغراض علمية (يريد من خلال ذلك المنزل دراسة الظاهرة) أو أغراض مهنية (يمارس من خلالها مهنة السحر أو استخدام الجن في توظيفات أخرى، ولا يريد إضاعة الوقت في تحضيرهم، كما أشارت إلى ذلك بعض التعليقات)؟ وقد وجدت التعليقات أكثر ثراء في معرفة عقول الناس لدينا، وطريقة استخدامها، أو مدى استخدامها، مما قدّمه لي الإعلان. فبعض أصحاب تلك التعليقات تفاعل بشكل جدي مع الإعلان، وذكر أوصافًا لعقارات يعرفها، والبعض طالب بنسبة من العمولة.. فكأني بهم يتعاملون مع بضاعة «الجني» كما كان يتعامل أصحاب المقاهي الشعبية، الذين يصرخون بطلبات الشاي أو الشيشة والمعسل، منذ أن يروا الزبون الذي حفظوا طلباته: واحد.. وصلحووووه! ويمكن أن نعرّف هذه الظاهرة بالتعريفات العلمية الحديثة التي تحدّدها بمجالات كهرومغناطيسية من الطاقة؛ تتباين في درجاتها وأثيريتها عن مجال الطاقة البشرية، أو بطريقة أخرى بما كانت العرب تنعتها به من كونها «أصحاب محلات»، أو «أودية وشعابًا» مقفرة، أو «بيوتًا» مهجورة... إلخ. إلا أنها في كل تلك التعريفات تشمل منحيين مهمَّين في نظر الإنسان، الذي يتعامل معها: المنحى الأول مرتبط بالمشاعر الإنسانية نحو هذه المكوّنات (الحقيقية أو المتصوّرة)، والثاني له علاقة بكينونتها الفعلية (أو ما صنعته في عقول الناس؛ مع اختلاف تلك الصنيعة من ثقافة إلى أخرى، ومن مستوى نفسي أو بيئي يعيشه الفرد إلى آخر).. ولهذا سنتناول جانبي هذه الكائنات الخارقة؛ فيما يتعلق بالخوف منها (في المنحى الأول)، وفيما يخص قوتها الوجودية (في المنحى الثاني).
العربي كان يتعرّف إلى العجيب المريب في بعض الظواهر التي تتعدّى إدراكه العقلي؛ لكنه – في تاريخه – لم يحوّلها إلى آلهة.. إنه يخافها بلا ريب، لكنه ربما كان مشغولًا، على الأخص، بكيفية تحييدها وبطريقة استغلالها واستثمارها.
ففي إطار النفسانيات الوجدانية يمكن أن يكون «المخيف» هو «السر الذي يجعل المرء يرتجف».. فمن شأنه أن يثير الهلع والرعب. فالخوف يمكنه أن يكون بلا سبب محدّد، هذه حالة مسافر مستوحد، في ليلة ظلماء، عبر غابةٍ كثيفة: يمكن لحركة ما، لضجة، للا شيء، وحتى لصمت عميق، أن يهز توازنه العصبي. إن الخوف من المجهول، من اللا محدّد، قد يكون أشد فتكًا من الخوف الذي نتوقعه وننتظره. وتحديدًا هذا الرعب من مقدَّر خفي ومجهول هو ما كانت العرب القدامى تسميه «الجن». كانت الجن تمثل قوة خفية يجهل المرء طبيعتها، لكنها تثير تساؤلاته ومخاوفه، ورغباته وآماله. ففي إمكانها الكمون في الأشياء التي تحرّكها، وبذلك تجعلها مخيفة، كما يمكنها الكمون في الكائنات التي تمنحها المزيد من القوة والسلطان. إنها قوة بلا اسم خاص، يمكن انتشارها في العالم والتباسها مع كل ما يُثير الدهشة ويخرج عن المألوف، ومع ذلك يمكنها جعل الأغراض خطرة.. فالعربي كان يتعرّف إلى العجيب المريب في بعض الظواهر التي تتعدى إدراكه العقلي، لكنه – في تاريخه – لم يحوّلها إلى آلهة.. إنه يخافها بلا ريب، لكنه ربما كان مشغولًا، على الأخص، بكيفية تحييدها وبطريقة استغلالها واستثمارها. بقي أن ننظر إلى الحالات الشعبية الحديثة لعلاقة تلك الكائنات بسكان الأرض من البشر.. سمعنا كثيرًا من القصص الخرافية عن حالات اختطاف لبعض الناس، الذين انزووا في أماكن لم يكن يجدر بهم أن يتواجدوا فيها، أو لأفراد كانت سماتهم الجسدية تغري بعضًا من «أصحاب المحلات»؛ سواء كانوا رجالًا – أغروا جنيات – أو نساءً أغرين رجالًا من الجن. فهم أيضًا لديهم رغباتهم الجنسية. وقد سمعت حكايات عن بعض مَن وصفوا ممارساتهم مع جنيات، بأنها مثل «القطنة» (شديدة الليونة). ألا توجد فيهم عظام؟ ويبدو مثل هذه القطنات تصلح مع أطباق الكافيار في الفنادق الراقية، فهل مافيات تجارة الرقيق لم تكتشف هذا المنجم بعد؟ أعلن هنا حقي في نسبة السمسرة، مثل المعلّقين على الإعلان!