سكينة المشيخص

خيزرانة «قياس».. وخسارات الشباب!

إيقاع المنظومة التعليمية لدينا يبدو بحاجة الى إعادة نظر، ليس فقط في حجم وإعداد معلمي البنود، أو حركة النقل أو تطوير المستويات، وإنما في المخرجات التعليمية نفسها التي يمكن مع نهاية التعليم الابتدائي أن تعود القهقرى إلى أي رصيد للفاقد التربوي، سواء من خلال نظام (شامل) أو نظيره (قياس) فكلاهما يعمل على تدمير أي طموح أو هدف أو تطلع للطلاب.

أمامي سيناريو واقعي لمشهد طالب سعودي يقضي 12 عامًا من عمره وربما أكثر، يذهب خلالها كل صباح للمدرسة ويعود ظهرًا وعلى كتفه حقيبة مكتظة بالكتب والدفاتر والأدوات المدرسية التي كلفت أهله طوال هذه المدة الطويلة مبالغ مالية محترمة، عدا كونه كان يخرج في الشتاء والصيف ويتحدّى الظروف المناخية المتقلبة ثم يؤدي اختباراته ويجتاز المراحل بنجاح حتى يصل الى الصف الثالث الثانوي، ويكون هنا المحك (يمكن أن ينجح.. أو لا) وكأن الموضوع أصبح أشبه ببرنامج (مَن سيربح المليون) لكن هذه المرة لا سبيل أمامه للانسحاب والربح، ولا خيارات كتلك التي يضعها البرنامج، إذ لا بد أن يخوض برنامج القياس، وإذا لم يحصل على النسبة المطلوبة فليس له مكان في الجامعات إلا إذا كانت أسرته ميسورة وتستطيع ابتعاثه للخارج على نفقتها، ثم ضمه لبرنامج الابتعاث أو حتى تدريسه على نفقتها في الداخل في إحدى الجامعات الخاصة.

لا مناص من إعادة النظر في العملية التعليمية بأكملها؛ لأنها تعاني خللًا مزمنًا لن يساعدنا حاليًّا أو مستقبلًا في الاعتماد على أبناء الوطن كما نحب ونرضى.إذا كانت الأسرة من ذوي الدخل المحدود، فالمنزل خيار، وخير ملجأ، ويمكنه أن ينتظر سنتين حتى يصبح عمره 20 عامًا لينعم بعدها بحافز لمدة عام واحد، وأيضًا (يمكن أن يتوظف.. أو لا) وطبعا الحال هنا ليس بأسوأ مما يحصل في الجامعات والمعاهد من خلال برنامج (شامل) الذي إذا لم يستطع الطالب عبوره أو لم يكن تظليله للإجابات في ورقة الاختبار مطابقًا مائة بالمائة لمتطلبات جهاز الكمبيوتر الذي يصحّح له ورقة الاختبار فهو مضطر للسقوط في الاختبار وإعادته مجددًا، وبالطبع في كلتا الحالتين (القياس والشامل) فإن (الحسَّابة بتحسب) والأسر تدفع حتى يحقق ابنها النجاح ويبعد عنه شبح البطالة.ويبدو أن لكل ظاهرة تبعاتٍ معيَّنة، فهناك مَن يبحث عن الربح من جيوب الأسر المغلوبة على أمرها، حيث تنشط المعاهد التي تدرّب على القياس، وهناك كتب وملازم في المكتبات تدور حول الموضوع نفسه، أتذكّر منذ سنوات أنني كنت أشاهد أحد البرامج التليفزيونية التفاعلية مع الجمهور وكان موضوع الحلقة يدور وقتها حول هجرة المبدعين العرب للخارج، وكان الحديث عن طبيب لبناني لم تقبله أي جامعة لبنانية، فاضطر للهجرة لفرنسا من أجل دراسة الطب البشري حيث نجح في تطوير علاج مهم في مجال السرطان سُجّل باسمه.لذلك كله، أعتقد أن لدينا كثيرًا من المبدعين الحقيقيين الذين، للأسف، يتم اغتيال إبداعهم عن طريق بيروقراطية الأنظمة واللوائح التي تجعل الطالب وكأنه يؤدي عقوبة التعلم، وأداء واجب وليس رغبة في التعليم حتى باتت علاقته بالمؤسسة التعليمية أشبه بعلاقة الجلاد بالضحية، وبالتالي فإننا نخسر بذات المنهج الذي يفترض أن يكسبنا أجيالًا من المتعلمين المعنيين أصالة بنهضة وبناء بلدهم، ولذلك فلا مناص من إعادة النظر في العملية التعليمية بأكملها لأنها تعاني خللًا مزمنًا لن يساعدنا حاليًّا أو مستقبلًا في الاعتماد على أبناء الوطن كما نحب ونرضى.