د. فالح العجمي

عندما تسكن الخرافة في العقل!

لم يكن ابن خلدون يعلم أن ما كان ينظّر له بشأن «العمران البشري»، وهو مصطلح يقصد به «البناء الحضاري» سيتقهقر في قلب البيئة العربية كثيرًا بعد عدة قرون من كتابه الخالد (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعَجم والبربر ومَن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)؛ خاصة في مقدّمته الجليلة.

فقد وصف فيها تطوُّر «العمران البشري» بأنه محتاج إلى سياسة ينتظم بها أمره، وأن الإجماع على تلك السياسة يكون تارة مستندًا إلى شرع منزّل من عند الله يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه، الذي جاء به مبلِّغه؛ وتارة إلى سياسةٍ عقلية تؤدي بهم إلى تحقيق المصالح العامة. لكن الأمور ساءت كثيرًا؛ فأصبح الورع الديني بعيدًا عن التطبيق والقدوة الصالحة، وكذلك العقل بعيدًا عن الاستخدام في السياسة وحساب الأمور.. أصبح الناس مثل الإمعات، يقلدون دون أن يفكّروا، أو يتدبَّروا ما يُطلب منهم أن يتبنوه؛ صاروا يؤمنون بالشيء ونقيضه.. كثير من الناس متعلمون، ويؤمنون بالتقدُّم الطبي الذي أسهم في حل كثير من المشكلات الصحية لدى البشر، ومع ذلك يلجأون إلى الخرافة عند أقرب أزمة، أو عندما يتعثر علاج طبي لسبب من الأسباب.. كما أنهم يعرفون كثيرًا من أسس الحياة السياسية أو الاقتصادية أو أي من شؤون «العمران البشري» (بمصطلح ابن خلدون)، غير أنهم ينسون كل ذلك؛ بمجرد أن ينقل إليهم شخص معتوه أو مسترزق تأويل حلم (أو قصص المنامات).

أصبح الناس مثل الإمعات، يقلدون دون أن يفكروا، أو يتدبَّروا ما يُطلب منهم أن يتبنوه؛ صاروا يؤمنون بالشيء ونقيضه.. كثير من الناس متعلمون، ويؤمنون بالتقدُّم الطبي الذي أسهم في حل كثير من المشكلات الصحية لدى البشر، ومع ذلك يلجأون إلى الخرافة عند أقرب أزمة، أو عندما يتعثر علاج طبي لسبب من الأسباب

فالخرافة تنبت بجانب العقائد الدينية، وبالتوازي معها، حتى ليظن المطلع عليها أن الخرافة هي أصل من أصول الفكرة الدينية نفسها.. فالخيال هو الوسيلة الأقوى إنتاجًا للفكر الخرافي عند الإنسان، عندما يسمح له بالتحليق بعيدًا عن الواقع. والغريب أن البيئة الإسلامية الحالية في وسط شبه الجزيرة العربية هي من أكثر المجتمعات على وجه الأرض رفضًا لتمثيل الخرافة على شكل ممارسات دينية روحانية؛ سواء بترديد الأذكار الجمعية والأدعية، أو ببناء «المقامات» وتقبيل القبور.. ومع ذلك فهي من أشدها لتقبُّل حالات خرافية تأويلية، تمثلت في واقع تصعب السيطرة عليه، أو التخفيف من آثاره في العقول. حادثتان رأيتهما في الوسائط الإعلامية، أعادتا إليَّ التفكير فيما آل إليه واقعنا الثقافي، وسلوكنا الاجتماعي بشأن التعامل مع أنفسنا وأجسادنا والحضارة البشرية بشكل عام. الأولى تابعتها في إحدى القنوات التليفزيونية، التي بُثت حلقة عن الرقية الشرعية، وكان الناس يُخرجون على ألسنتهم ما حشا به التعليم رؤوسهم. وربما لا يُلامون – كأفراد – في ذلك.. فقد اختلط الحابل بالنابل، والمحدّث بالأفّاق، والمتطبب بالمسترزق؛ حتى أصبحت ورمًا كبيرًا، لا يمكن أن ينمو إلا في جسدٍ مصاب ومهمل.. مشكلتي أيضًا ليست هنا، فهذا الورم ليس جديدًا، ما أصابني بالدهشة أنه أتى أخصائي نفسي (أو ما أدري ماذا كان لقبه بالضبط)، لكنه يفترض أن يكون قد أتى من طرف العلم، وبدأ يحلل الموضوع من وجهة النظر الدينية. وأظنه كان بانتظار شيخ، ليحلل الموضوع من وجهة النظر العلمية.. فتصبح القضية على رأي العبارة الشعبية «آخر حلاوة»! علماً بأن الموضوع ليس «استخدام الرقية في التطبيب»، بل التحرش اللا أخلاقي الذي يقوم به بعض الرقاة مع المريضات، اللائي يطلبن منهم العلاج عن طريق البصاق؛ فتمتد إيديهم إلى صدورهن (فيما أظن، مع أن التقرير يقول: لمس أجزاء حساسة في أجسادهن). أقول قولي هذا، وأستغفر عن سماعي إياهم ينادون بالويل والثبور، لمن يدعو إلى دمج البنين والبنات في الصفوف الابتدائية الأولى من التعليم العام. فكيف يتغاضون عن مثل هذه الممارسات، التي تتم بين راشدين في غرف منفصلة؟ حيث لا يفصل بين الشيخ ومريدته إلا بضع سنتيمترات مع فتح الصدر، أو أي جزء من الجسم، لتصل بركات ذلك البصاق الطائر؛ حتى وإن لم يحصل تحرّش أو أي منكر من المنكرات.أما القضية الثانية، فهي أكثر طرافة، وأقوى تدليلًا على أن هذه البيئة العربية الإسلامية، التي ظن بها ابن خلدون ظنًّا طيبًا، وذلك لاعتدال مزاج أهلها، وكونهم في وسط الأقاليم، ودينهم وسط في الأديان، قد خالفت هذا التوقع كليًّا، وسارت في طريق الخرافة بصورة لم تعهدها إلا الأقاليم المتطرّفة، والأمزجة غير المعتدلة. وستكون هي مدار الحديث في مقالة مستقلة.