حسن السبع

مشاغبو الزمن الجميل ..

ألا يمكن تأكيد الحضور الاجتماعي أو الثقافي (إنْ وُجِدَ) بعيدا عن الجعجعة والمفرقعات الكلامية؟ سؤالٌ يفرض نفسَه كلما ثارت زوبعةٌ من زوابع المشاغبين الجدد من نجوم الفضائيات وعشَّاق (المايك). زوابع لا علاقة لها بالثقافة، وإن ارتدت جلبابها، أو تزيّت بزيّها.

ولكي تتضح صورة المشاغبين الجدد لابد من استحضار صورة مشاغبٍ من الزمن الجميل. ف.. «الضّدُّ يُظهرُ حسنَه الضّدُّ». وكل كمالٍ في هذه الشخصية يفضح نقصا في تلك. وليس أنسب لهذه المقارنة، وإنْ كانت ظالمة، من (الدكاترة) زكي مبارك، حيث المشاغبة «على أصولها»، أي المشاغبة الثقافية الذكية المنتجة. كان زكي مبارك يعي ما يقول، ويعرف ما يريد. وحين يستفزه أحد الخصوم فإن قلمه الساخر لا يعرف الشفقة. لذلك كان الكتّاب يتحاشون استفزازه. يقول صالح جودت في تقديمه لكتاب من تأليف محمد محمود رضوان عنوانه (صفحات مجهولة من حياة زكي مبارك): «أذكر مرة أن ناقدا معروفا أراد أن ينالَ من زكي مبارك، فكتب مقالا يهاجمه، ولم يوقّعْ باسمه، بل باسم مستعار، وعرفه زكي مبارك من أسلوبه، فكتب في الرد عليه يقول: «لقد عرفتكَ بلَحْنِ القول»! أي عرفه من أخطائه اللغوية.

لا يحتاج المشاغبون الجدد من نجوم الفضائيات وعشَّاق (المايك) إلى ثقافة زكي مبارك أو سعة اطلاعه، ليصبحوا نجوما لامعة، فبعض الخطب والمفرقعات الكلامية النابية، وعرض السلع الكاسدة في سوق الغفلة، تكفي لتحقيق تلك الأمجاد عند جمهور مستهلِكٍ لا يميّز بين الغثّ والسَّمين. 

وكتب أحدهم يعيب تضخم الذات عند زكي مبارك، وهو انطباع ينقصه البرهان، ولعل أسلوب الرجل وبعض «شطحاته ونطحاته» قد ولّدت ذلك الانطباع، إلا أنه، وبخلاف المشاغبين الجدد، كان ميالا إلى نقد الذات وهجائها، بل كان قاسيا في تعرية ذاته، وفضح نقائصها، وإشهار عيوبها. وإذا كان زكي مبارك مصابا بتضخم الذات، فماذا يمكن أن يقال عن المشاغبين الجدد الذين لم ينالوا عُشرَ ثقافته الموسوعية.؟ لا يحتاج المشاغبون الجدد من نجوم الفضائيات وعشَّاق (المايك) إلى ثقافة زكي مبارك أو سعة اطلاعه، ليصبحوا نجوما لامعة، فبعض الخطب والمفرقعات الكلامية النابية، وعرض السلع الكاسدة في سوق الغفلة، تكفي لتحقيق تلك الأمجاد عند جمهور مستهلِكٍ لا يميّز بين الغثّ والسَّمين. هنالك صفة جميلة تميز بها زكي مبارك، ويفتقر لها المشاغبون الجدد من نجوم الفضائيات، هي خفة الظل وحس الدعابة. و.. «هي أشياء لا تُشترى» إذا جاز لنا توظيف عبارة أمل دنقل في هذا السياق.وظَّفَ زكي مبارك قول الشاعر: «يقولون ليلى في العراق مريضة.. فياليتني كنتُ الطبيبَ المداويا»، توظيفا جيدا، فشاد بخياله وسعة ثقافته قَصْرًا من الكلمات، هي مزيج من الجد والدعابة والواقع والخيال. كتب يُطَمئن ليلاه المريضةَ قائلا: «أنا رجل لطيف، وأعدائي في مصر لا يزيدون عن عشرة آلاف،  فكيف تتخوف ليلى من عدواني»!! وعلى منوال هذه العبارة الظريفة ألَّف زكي مبارك رائعته (ليلى المريضة في العراق) بأسلوب رشيق يرشح ظرفا ودعابةً.     ثلاث شهادات دكتوراة، أو كما يجمعها زكي مبارك: (ثلاث دكتوراهات) في الحقوق والأدب والطب لم تفقده خفة ظله. كذلك لم تستطع المعاناة، ولا سهام الخصوم أن تحرمه من حس الدعابة. فقد كان الظرف يجري في دمه. و.. «من كانت به دعابةٌ، فقد بَرِئَ من الكِبْر».. فهل انعدام حس الدعابة هو سرّ الغطرسة التي ابتلي بها المشاغبون الجدد؟ ربما !