د. فالح العجمي

ثنائيات وجود.. أم ضـديَّات تفكير؟!

هل تأثر فكرنا الشرقي القديم (في منطقة الرافدين وشبه الجزيرة العربية) بثقافة التاو، أو بالفكر المانوي القائم على ثنائيات: الخير والشر، النور والظلمة، السماء والأرض، الذكر والأنثى، المقدّس والدنيوي، السرمدي والزائل... إلخ؟ وهل تولّد حبّنا لتلك الثنائيات في العصر الحديث من تلك الثقافة الموروثة؟ لو فتشنا في عناصر الوجود، لما وجدنا أساسًا منطقيًّا لتلك الثنائيات، التي ملأت بتقابلاتها فكرنا القديم، وتشعّبت في كثير من شؤون الحياة في العصر الحديث. فالأزمنة كانت تقسّم إلى فئتين، والألوان كانت تُصنف في تضاد ثنائي، حتى وإن لم تكن ضدية حقيقية (الأبيض فعليًّا ليس مضادًا للأسود، ولا يوجد إطلاقًا لون يتناقض جذريًّا في عناصره مع لون آخر)، والناس، بأفرادهم وجماعاتهم مصنفون أيضًا إلى تقابلات ثنائية تقوم على مجازات التصوّر، وليس واقع أي منها، أو رؤيته في الطبيعة بضدية فعلية.. وقد أصبحت هذه الفكرة مسلّمة في الفكر العربي، إذ يقول شاعرهم: وبضدّها تتميّز الأشياء.. ولذلك نجد أطر التفكير هذه قد سيطرت على مناهج التعليم، وعلى استيعاب العلاقات بين عناصر الوجود، وتطوُّراتها المختلفة في إطار مفترض، ومنقسم – هو الآخر – إلى ثنائيات متعددة.أصبحت هذه الفكرة مسلّمة في الفكر العربي، إذ يقول شاعرهم: وبضدها تتميّز الأشياء.. ولذلك نجد أطر التفكير هذه قد سيطرت على مناهج التعليم، وعلى استيعاب العلاقات بين عناصر الوجود، وتطوُّراتها المختلفة في إطار مفترض، ومنقسم – هو الآخر – إلى ثنائيات متعددة. درجت الثقافة العربية القديمة على التثنية في جمع ما يتقابلان، أو يُتصوّر أنهما متقابلان، فيما أصبح يُعرف في دراسة اللغة بالتغليب: «الشمس والقمر» يُطلق عليهما «القمران» (بالرغم من أن الشمس أكبر من القمر، وهي الأصل وهو التابع.. فهل لأنه مذكر، حاز على الغلبة؟)، وعلى «التمر والماء» مصطلح «الأسودان»، وعلى «الإنس والجن» مصطلح «الثقلان». اللافت للنظر أن ذلك الحُب الفريد للتضادّ الثنائي عند العرب قديمًا قد انعكس على تصوُّراتهم، وأمثالهم، وتسمياتهم، وهياكل مؤسساتهم، بل وأذواقهم في العصر الحديث. فبدءًا من مطلع القرن العشرين يوجد لديهم عالمان مختلفان: الغرب والشرق، وفي مستوى الفكر السياسي والاقتصادي: الرأسمالية والاشتراكية، وفي التصنيفات: المسلمون والكفار، وفي إطار الانتماء الجهوي: مغاربة ومشارقة؛ عرب الشمال وعرب الجنوب... إلخ من الوصم بالرجعية أو التقدّمية وغيرهما. لكن الطريف أن تنتقل هذه الرؤية إلى دقائق الحياة اليومية، وتصبح ماثلة في اللا وعي؛ توحي بمقابل لكل دال في التعبير عن شطحات التفكير.. وقد ينعكس ذلك التفكير على شكل واقع قائم، بأثر من ذلك التصوّر الجمعي.. فعلى المستوى المحلي نجد تعددًا لتطبيقات تلك الثنائيات: من الرياضة والفن إلى الدين والسياسة، ومن أسماء الشوارع والميادين إلى الثنائيات الرمزية في القرى أو المدن المتنافسة في المناطق المختلفة. إذ يبرز في كل منطقة أو مدينة كبرى ناديان رياضيّان (الهلال والنصر في الرياض – وعندما خبا نجم النصر، حل بدلًا منه الشباب، والأهلي والاتحاد في جدة، والاتفاق والقادسية في الشرقية). وفي الفن سيطرت في عالم الغناء الضدّية بين طلال مداح ومحمد عبده لفترة طويلة من الزمن؛ إلى درجة تصوّر معها الناس أن من يحب الأول يمقت الثاني، والعكس صحيح. وفي الدين كان لا بد من ثنائية السنة والشيعة، وفي إطار السنة: السلفية والصوفية، وأهل السنة مقابل المبتدعة، كما نشأ تقابل الصراع بين الحداثيين والتقليديين، أو الليبرالية والأصولية، أو المتشدّدين وأصحاب التغريب، إلى غير ذلك من الثنائيات المتشعّبة التي لا تنتهي عند حد.. كما تتداخل أحيانًا بعضها مع بعض، وتتضاءل محدّداتها الاصطلاحية. أما في السياسة، فتوجد الإمارات والوزارات؛ تقوم الأولى بالاهتمام بالإقليم، خاصة من النواحي الأمنية، بينما تقوم الثانية بالخدمات (كل وزارة في مجال اختصاصها) على مستوى البلد بالكامل.. وبذلك تتداخل مرجعياتها، وتتقاطع مصالحها؛ مما يوجد التنافس بين المسارَين، أو يُتصور الحذق في الحد من استشراء قوة طرف على حساب الطرف الآخر. وفي أسماء الشوارع أو الميادين، لست بحاجة إلى التذكير بكثير من الأسماء التي هُجرت لصالح أسماء أخرى، أو تلك التي استخدمت لها أسماء رسمية مختلفة عن الأسماء الشعبية الأولى؛ فبقيت التسميتان – وإن شاعت التسميات الشعبية في أغلب الأحوال.. وأخيرًا لا يغيب عن البال التنافس الكبير بين كثير من البلدات الصغيرة أو المتوسطة الحجم في المنطقة الواحدة؛ مثل بريدة وعنيزة، الدمام والخبر (أو الخبر والثقبة سابقًا)، الحوطة والحريق وغيرها.. بل أكثر من ذلك نجد أنه يُطلق على بلدنا بلاد الحرمين الشريفين، وشعاره يحمل سيفين .. أليست ثقافة في اللا وعي؟!